منوعات

من الشكوى إلى الشراكةإعادة تعريف علاقة المواطن بخدمة المياه

بقلم: بدر صابر بدر

مدير عام خدمة العملاء — شركة مياه الشرب بالإسكندرية

لسنوات طويلة ، كان مقياس نجاح خدمة العملاء في القطاع الحكومي يُختزل في سؤال تقليدي واحد : هل انخفض عدد الشكاوى؟ وهو سؤال صحيح في ظاهره، لكنه قاصر في جوهره فالعميل لا يقيس كفاءة الشركة بعدد المرات التي لم يشتكِ فيها فحسب، بل بمدى شعوره بأنه طرف فاعل وشريك حقيقي، لا مجرد متلقٍ سلبي لخدمة تُقدَّم إليه ومن واقع هذا السؤال الأعمق أعادت إدارة خدمة العملاء بشركة مياه الشرب بالإسكندرية صياغة مفهوم علاقتها بالعميل للانتقال من مجرد إدارة الشكوى بعد وقوعها إلى بناء شراكة مستدامة تجعل العميل عنصرًا أساسيًا في صنع الحل.

أولًا: الشكوى كمصدر معرفة لا كعبء تشغيلي

تمثلت الخطوة الأولى في هذا التحول في تغيير الفلسفة الإدارية: التعامل مع كل شكوى بوصفها قيمة معرفية وبيانًا تحليليًا، وليست عبئًا تشغيليًا يسعى الجميع لإغلاقه سراعًا وفي هذا الإطار، جرى تحليل أكثر من عشرة آلاف تفاعل ورأي للعملاء بهدف استخراج الأنماط والمسببات الجذرية للشكاوى بدلاً من الاكتفاء بالمعالجات الفردية الموقتة و هذا المنظور حوّل قسم الشكاوى تدريجيًا من وحدة لتسوية النزاعات إلى وحدة استماع مؤسسي تُغذي قرارات الشركة التشغيلية والاستراتيجية.

وقد تُوّج هذا المسار بتطوير مفهوم العمل داخل الإدارة ليرتكز على “منظومة الشراكة واستدامة التواصل مع العملاء” وهو تحول لم يكن مجرد تعديل إجرائي، بل كان إعلانًا عن عقيدة مؤسسية جديدة مفادها: أن كل تفاعل مع العميل — سواء كان رضا أو شكوى — هو خطوة متقدمة لبناء علاقة ممتدة وقائمة على الثقة.

ثانيًا: قنوات تُنصت قبل أن تُجيب

لا تُبنى الشراكات بالنوايا فقط، بل بتوفير قنوات مرنة تجعل صوت المواطن حاضرًا ومسموعًا في كل وقت لذا، تم إطلاق نظام آلي لمتابعة الشكاوى عبر تطبيقات التواصل الفوري يمنح العميل متابعة لحظية ومباشرة لحالة طلبه دون حاجة إلى المراجعة الميدانية أو الانتظار المطول كما جاء قرار تنويع قنوات استقبال الشكاوى والالتزام الصارم بالمدد الزمنية استجابةً لأنماط احتياج فعلية رصدتها الإدارة ميدانيًا ليصبح توقيت تقديم الخدمة نفسه تعبيرًا عن الإنصات لظروف العميل، لامجرد تطبيق لجدول عمل.

ولم يقتصر هذا الإنصات على العميل الخارجي، بل امتد للداخل المؤسسي حيث نُظّمت مبادرات ابتكارية طويلة الأجل جمعت موظفي الخطوط الأمامية لخدمة العملاء — الأقرب يوميًا لصوت المواطن — لتوليد حلول عملية للتحديات الفردية والمركبة التي تواجه العملاء مؤكدين أن الشراكة مع المواطن تبدأ أساسًا من الشراكة مع الموظف.

ثالثًا: من القياس إلى الثقة

لضمان ألا تظل هذه الشراكة شعارًا نظريًا جرى ربطها بآليات قياس دقيقة تُحوّل رأي العميل وتقييمه إلى بيانات موضوعية قابلة للمساءلة والمتابعة بعيدًا عن الانطباعات الشفهية والتقديرات الشخصية وعندما يلمس العميل أن تقييمه يُترجم مباشرة إلى خدمة أسرع وأداء أجود واستجابة أدق ؛ تتحول العلاقة من مجرد معاملة وظيفية إلى ثقة متبادلة تُشكل جوهر الشراكة الحقيقية.

خاتمة: المواطن شريك لا رقم

تؤكد تجربة إدارة خدمة العملاء بشركة مياه الشرب بالإسكندرية أن التميز الحكومي الحقيقي لا يُقاس بسرعة إغلاق الملفات وحسب، بل بمدى قدرة المؤسسة على تحويل صوت العميل إلى مُدخل دائم ومُوجّه لقراراتها فمن شكوى تُدرس وتُحلَّل إلى قنوات تنصت بفاعلية وصولًا إلى نتائج ملموسة تُترجم الثقة على الأرض ترسم هذه الرحلة معالم جديدة للعلاقة بين المرفق العام والمواطن : علاقة شراكة وتكامل تعتمد عليها الإدارة كركيزة أساسية لتميزها المؤسسي المستدام.

عرض المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى