أخبارالرئيسيةمقالات

عماد نصير يكتب: كليات القمة.. المجموع والوجاهة الاجتماعية والرغبات


ما إن يبدأ ماراثون الثانوية العامة حتى يبدأ معه الأهل بغرس أحلامهم الضائعة في نفوس ذويهم، والتأكيد على ضرورة الالتحاق بكليات القمة، والقمة فقط، متناسين الفارق بين التحصيل فيها والتحصيل في المرحلة الثانوية.


الاعتماد على التحصيل وتجميع الدرجات ليس هو المعيار الأساسي لتفوق الطالب دراسيا، لا سيما في المرحلة الجامعية وبالأخص في الكليات العملية، وفي القلب منها الطب والصيدلة والعلاج الطبيعي والهندسة، وبعض التخصصات التي تعتمد على الفهم والميول والسمات الشخصية والرغبة وغيرها من الأمور التي تسهم في الانخراط الدراسي والتفوق.


مجتمعاتنا العربية تسيطر عليها ثقافة متوارثة وعميقة الجذور، تربط ذكاء الطالب وقيمته الإنسانية والاجتماعية بمجموع درجاته بنتيجة الثانوية العامة، هذا الرقم الذي يحصل عليه الطالب في مرحلة عمرية حرجة، يتحول فجأة من مجرد تقييم لأداء أكاديمي مؤقت إلى بوصلة إجبارية وصارمة تحدد مسار مستقبله المهني والشخصي بالكامل، دون أي اعتبار لقدراته الحقيقية أو مهاراته الخاصة، أو حتى ميوله وشغفه.


عاما بعد آخر ونتيجة حتمية لهذه المنظومة الفكرية نظهر بوضوح أقرب إلى الصدمة في مؤشرات نتائج الفرقة الأولى بكليات القمة ومنها كلية الطب، حيث بلغت نسبة النجاح في امتحانات الدور الأول حوالي 44% فقط، وهي نسبة مفزعة كنتيجة دراسية وتحصيلية لطلاب كانوا منذ شهور قليلة ملء السمع والبصر وحديث الشارع.


بالتدقيق نجد أنها ليست مجرد نسب دالة على التعثر الأكاديمي أو تراجع في التحصيل الدراسي، بل هي ناقوس خطر حقيقي وصرخة إنذار تكشف عن خلل بنيوي عميق في آلية وعقلية اختيار التخصص الجامعي، وتوضح أن المجموع المرتفع ليس ضامناً للنجاح في غياب الرغبة والقدرة المتوافقة مع طبيعة الدراسة، بل وميول الطالب نفسه.


ومع استمرار سيطرة رغبة الأهل والشكل الاجتماعي وثبات معايير النجاح بالالتحاق بكليات بعينها دون غيرها، يقع آلاف الطلاب المتفوقين سنوياً في فخ نفسي واجتماعي، يشعر الطالب الذي حصد درجات مرتفعة بضغط عائلي ومجتمعي هائل يدفعه دفعاً نحو كليات القطاع الطبي أو الهندسي، لمجرد أن مجموعه الرقمي في الثانوية العامة يسمح له بنيل هذه المكانة وحجز مقعد بجوار أقرانه، وهو قرار يبنى بالكامل على بريق المسمى الاجتماعي والوجاهة التي ربما تلغي أحلامه الشخصية وتقضي على مقومات نبوغه لو اختار ما يناسبه لا ما يناسب مجموعه.


من الخطورة عزيزي الطالب تجاهل الفجوة المعرفية والمنهجية الهائلة بين مناهج الثانوية العامة القائمة غالباً على التلقين واسترجاع المعلومات، وبين الواقع الأكاديمي والعملي الشاق لكليات ما يعرف بالقمة، وأن الدراسة فيها تتطلب مهارات وقدرات استثنائية ومعقدة، وأن للشغف والميول الشخصية دور وعامل أساسي، بل ربما كان من أهم أسباب التميز والتفوق، فالمسألة لم تعد تحصيل وتلقين وتفريغ، أو ما يعرف بنظرية “الدلو”، وهو بالطبع أمر يفوق بمراحل مجرد القدرة المؤقتة على حفظ النصوص واجتياز اختبارات مدرسية نمطية تعتمد على القدرة على حفظ قوانين وقواعد ونصوص.


فعندما ينتقل الطالب من بيئة مدرسية موجهة إلى بيئة جامعية مفتوحة تعتمد على التفكير النقدي والمطابقة أو ما يعرف بـ العملي، تحدث الصدمة المعرفية التي تؤدي إلى التعثر، ويتحول الطالب المتفوق من قدوة ونموذج حسن إلى طال فاشل أخطأ اختيار ما يناسب قدراته، بل ربما يجد من يشكك في مدى أحقيته لدرجاته المتفوقة والمرتفعة في سباق المرحلة الثانوية.


المناهج العلمية الضخمة والتي تدرس بلغة أجنبية تتطلب آلية تنظيم وقت وجهد تختلف كلياً عما اعتادوا عليه طوال حياتهم السابقة، ربما تفسر تعثر أكثر من نصف الطلاب (56% في إحدى كليات الطب المتميزة وذائعة الصيت بإقليم الصعيد، كما لا يحب علينا إغفال أن تحول الطالب في غضون أشهر قليلة من قمة التفوق والاحتفاء المجتمعي في الثانوية العامة إلى دوامة الفشل الأكاديمي والتعثر داخل أسوار الجامعة، قد يسبب له أزمات نفسية بالغة التعقيد مثل الاكتئاب والقلق المفرط، ويفقده ثقته بنفسه وبقدراته الذهنية تماماً، مما يجعله يشعر بأنه مخيب لآمال أسرته، وبالتالي فالمنتظر منه ليس النجاح، بل تكوين خريج جامعي مهترىء نفسيا وسلوكيا وربما غير ناجح في تخصصه، فالعبرة ليست بشهادات التخرج بقدر ما هي النجاح في سوق العمل والحياة المهنية بعد الدراسة الجامعية.


من هنا يبرز دور أولياء الأمور الذين يساندون الطالب في ترتيب الرغبات، ما يترتب عليه أيضا إعادة هيكلة ميزانية الأسرة، ومن وراء ذلك ميزانية الدولة بالتبعية، فإهدار الطاقات البشرية والموارد الاقتصادية أمران مهمان بلا أدنى شك، فاستمرار الطالب في تخصص لا يناسب بنيته العقلية أو النفسية يعني خسارة مشروع مبدع حقيقي في تكنولوجيا المعلومات، الآداب، الفنون، الاقتصاد، أو إدارة الأعمال، كان يمكنه أن يقود بلاده نحو التميز والريادة لو أتيحت له فرصة الاختيار الحر دون عبء الضغط تحت ذريعة “الوضع الاجتماعي”.


علاج هذه الأزمة المجتمعية المتفاقمة يتطلب ثورة فكرية شاملة وجريئة في وعي الأسر والطلاب على حد سواء، بالإضافة إلى إعادة النظر في آليات القبول الجامعي المتبعة، فمن الضرورة بمكان أن يدرك أولياء الأمور قبل أبنائهم أن المجموع في الثانوية العامة ليس إلا تذكرة عبور ووسيلة لاكتشاف الذات، وليس غاية نهائية أو صكاً للمكانة الاجتماعية والتباهي أمام الأقارب، وأن تغافل الميول العلمية أمر كارثي يدفن طاقات الطالب الإبداعية.


ولا يبقى أن نقول إلا أن كليات القمة هي التي تصقل مهارات الطالب ويجد فيها رغباته وشغفه وميوله الدراسية، “كلية القمة” الحقيقية لأي طالب هي ذلك التخصص الذي تتلاقى فيه قدراته العقلية الفعلية مع طموحه الشخصي واهتمامه الداخلي ورغباته هو لا الرغبات المطبوعة.


إن بناء الأوطان يكون بالتنوع كما هو بناء الأسر، فلا فائدة من الإصرار على حصر طموحات جيل كامل في مسارات طبية وهندسية ضيقة، تحت مسمى المجموع والضغط الاجتماعي، فلن ينتج ذلك سوى مزيد من التعثر الأكاديمي وضخ خريجين يفتقدون الشغف للمهنة، مما يؤثر سلباً على جودة الخدمات الطبية والهندسية مستقبلاً، فنكون بذلك أدوات هدم لا بناء.


المستقبل بلا شك بات رقميا بامتياز، فالتحول العالمي نحو الرقمنة والتكنولوجيا بحاجة إلى متخصصين مبدعين يمتلكون المهارة والابتكار في شتى المجالات، لا إلى أصحاب شهادات علمية مرموقة فرضها عليهم التنسيق وصنعت منهم أطباء ومهندسين بالاسم فقط، بينما تكمن عقولهم وإبداعاتهم في عوالم أخرى، وربما كانوا ليصبحو من المبدعين لو تركت لهم حرية الاختيار أو أحسن المجتمع توجيههم نحو الهدف الصحيح.

عرض المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى