سطو مسلح: جريمة تاريخية بـ”عقد إيجار”.. وكوميديا تفضح خديعة “المخ والعضلات”


في عرض مسرحي اتسم بالذكاء والرمزية المبطنة، قدم لنا المخرج فارس راسم وفريقه المشارك في مسابقة “تريو دراما” بملتقى “نغم للمسرح” بالإسكندرية في دورته الخامسة، تجربة فنية لم تكتفِ بالترفيه، بل غاصت في أعماق الصراع الأزلي على الحق والأرض. يبدأ العرض من “محل مجوهرات” ضيق، لكنه ينتهي ليفتح آفاقاً واسعة على قضية وطن.
لعبة الأقنعة: ديكورٌ وشخصيات
منذ اللحظة الأولى، يضعنا الديكور الذي صممه معاذ مدحت في أجواء “اللوكيشن” الذي يحاكي محل جواهرجي، مع إضاءة بيجاد حسن التي بدأت خافتة لتثير التوجس ثم اشتدت لتكشف التفاصيل. هنا نلتقي بـ “سعيد أفندي” (الجواهرجي)، الذي أدى دوره ببراعة تجسد تلك الصورة الذهنية التاريخية لليهودي في الدراما العربية؛ بانحناءة ظهره ونبرة صوته المتحذلقة، وهو ينظف مجوهراته بانتظار فريسة جديدة.
يدخل “الباشا” بكبريائه وغضبه المكتوم، ليكشف لنا الحوار عن “مباراة قمار” خسر فيها الباشا، واتهم الجواهرجي بالغش. هذه الافتتاحية لم تكن مجرد تمهيد، بل هي رمزية سياسية واضحة للصراع بين القوى الكبرى والكيانات التي قامت على الخديعة.
المفارقة والرمز: صلاح وبؤجة الأمل
يظهر “صلاح” (الشاب القوي السمين) بجلبابه الشعبي، ليمثل القوة الغاشمة التي تفتقد للتخطيط أحياناً. ورغم أن أداء الممثل اتسم بمبالغات انفعالية، إلا أنها خدمت فكرة “الاندفاع” للمطالبة بـ “ورث الأب”. الصراع هنا يتحول من مجرد “سطو” إلى “استرداد حق”، خاصة حين يبرز الجواهرجي عقد إيجار مدته 150 عاماً، في إشارة ذكية لشرعنة الوجود الأجنبي بالأوراق الزائفة.
العبثية والدرس القاسي:
تتجلى ذروة العبث في اقتراح “لعبة الكراسي الموسيقية” لحسم مصير المحل! هنا يمرر العرض رسالة قوية: الحق لا يُسترد بالألعاب أو بالبحث عن “عيار مسدس” متكافئ لإرضاء القانون الدولي، بل بالوعي والمواجهة الحقيقية. سقوط السلاح من يد صلاح في لحظة فرحته يجسد مأساة ضياع الفرص بسبب عدم الجهوزية النفسية.
الفلاش باك: الصدمة والوعي
اللمحة الإخراجية الأذكى كانت في الانتقال للمستوى السفلي من المسرح (بين الجمهور). تحول صلاح إلى “درويش” بالشال الفلسطيني، وتحول الجواهرجي إلى المستأجر اللحوح. هنا سقطت الأقنعة، وفهم الجمهور أن كل ما سبق لم يكن مجرد مشاجرة في محل ذهب، بل كان تجسيداً لكيفية تسلل “الغريب” إلى “الدار” بعقود إيجار طويلة الأمد، مستغلاً طيبة أو حاجة “درويش”.
ختاماً
عرض “سطو مسلح” هو تريو تمثيلي متناغم (عمار الشريف، محمد بودة، عبد الله محمد)، استطاع بميزانية بصرية بسيطة وفكر عميق أن يطرح تساؤلات موجعة: هل العضلات بلا مخ تكفي لاسترداد الحق؟ وهل يظل “درويش” يكتب الرسائل الواهمة لأمه بينما المحل يضيع؟
استند العرض إلى نص للكاتب الإسباني خوسيه مورينو أريناس، المعروف ببراعته في مسرح الرمز والمفارقة، وقد نجح المخرج فارس راسم في تطويع هذا النص العالمي ليلامس وجدان الجمهور المصري.
لقد نجح العرض في أن يكون مرآة لواقع مرير، مغلفة بروح الكوميديا السوداء، ليخرج الجمهور متسائلاً: متى ينتهي عقد الـ 150 عاماً؟ ومتى يتعلم “صلاح” ألا يسقط السلاح من يده؟


