“في مكان ما”.. مسرحية تُدين العدالة والفساد معًا


لا يتعامل عرض “في مكان ما” مع المسرح بوصفه حكاية تُروى بقدر ما يطرحه كساحة مواجهة فكرية، ومحاكمة أخلاقية مفتوحة لا تستثني أحدًا، وعلى رأسهم المتفرج نفسه. العرض يبدأ بمحاولة واعية لكسر المسافة التقليدية بين الفعل المسرحي والمتلقي، وبإشارة مبكرة إلى آليات السلطة والزمن والمراقبة، قبل أن ينزلق تدريجيًا إلى مسار درامي أكثر انغماسًا وانفعالًا.
هذا التذبذب بين الرغبة في التعليق الواعي والانخراط الدرامي يظل حاضرًا في بنية العرض، ويشكّل أحد ملامحه الأساسية، بل وأحد إشكالاته أيضًا؛ إذ لا يستمر الاشتباك مع أدوات التفكيك الأولى حتى النهاية، بل تُترك لتُستبدل بمسار تمثيلي أكثر مباشرة، يعتمد على الصراع الثنائي والتصعيد الانفعالي.
قُدِّم العرض على مسرح الجامعة داخل قاعة مستطيلة مغلقة، بلا خشبة مسرح تقليدية، في اختيار ينسف منذ البداية الإطار المسرحي المألوف. الفضاء هنا ليس محايدًا، بل يؤدي وظيفة دلالية واضحة؛ إذ يمكن قراءته كغرفة تحقيق، أو قاعة محكمة، أو سجن رمزي، يتحرك داخله ممثلان فقط، محاصران بالزمن وبنظرات الجمهور، بينما تحيط بهما جوقة صامتة في تشكيل هندسي صارم.
غير أن هذا الاختيار المكاني، على أهميته، لا يُستثمر دراميًا بالقدر الكافي لاحقًا؛ فالدخلة التي توحي بموقف نقدي واعٍ لا يُعاد ربطها بتطور العرض، فيتحول الفضاء من عنصر ضغط فكري إلى إطار ثابت للأحداث، دون تصعيد دلالي موازٍ.
يبني النص صراعه الأساسي بين محاميين: أحدهما يمثل قيم العدالة والحق، والآخر يجسد منطق الطمع والفساد. غير أن العرض لا يكتفي بهذا التقابل الأخلاقي الظاهر، بل يعمل على كشف أن الصراع الحقيقي لا يدور بين شخصين متقابلين، بل داخل المنظومة نفسها، بين منطق المبادئ ومنطق التكيف مع السلطة.
الحيلة الدرامية المركزية — إجبار محامي العدالة على إلقاء مرافعته ليُعاد استخدامها لاحقًا — تكشف جوهر اللعبة السياسية التي يناقشها العرض: الأفكار لا تُلغى، بل تُعاد صياغتها وتوظيفها. العدالة لا تختفي، لكنها تتحول إلى خطاب قابل للاستحواذ.
اختيار العربية الفصحى، مع إتقان واضح من الممثلين، يمنح العرض طابعًا رسميًا وطقسيًا، ويخرج الحوار من اليومي إلى فضاء أوسع. إلا أن الحوار يتحول في مواضع عديدة إلى مرافعات مطوّلة وخطابات مباشرة، ما يرفع من كثافة الطرح الفكري على حساب الإيقاع الدرامي، ويؤكد ميل العرض إلى التعبير عن أفكاره أكثر من تركها تتكشف عبر الفعل.
اللغة هنا لا تعمل فقط كوسيلة تواصل، بل كأداة سلطة؛ من يمتلك الخطاب يمتلك القدرة على إعادة تعريف الصواب والخطأ، ولو مؤقتًا.
على المستوى الجسدي، يعتمد العرض على صور قاسية ومباشرة: التقييد بالحبال، إجلاس أحد المحاميين على كرسي ثم تقييده بكرسي آخر، الجلوس فوق الظهر. هذه الأفعال لا تُستخدم بوصفها صدمة بصرية فحسب، بل كتجسيد مادي لعلاقات القوة، حيث يصبح الجسد موقعًا لممارسة السلطة لا لشرحها.
الأداء التمثيلي يميل إلى السيطرة والهيمنة أكثر من التنويع الوجداني، وهو اختيار يتسق مع طبيعة الشخصيات بوصفها تمثيلًا لقيم ومواقف، لا ذوات نفسية مركبة بالمعنى التقليدي.
تلعب الجوقة المحيطة بالفعل المسرحي دور الضمير الجمعي أو الرأي العام. لا تتدخل بالحوار، بل بالصوت: تصفيقة واحدة، خبطة خشب، همهمات متصاعدة. كل تدخل محسوب، ويأتي بوصفه تعليقًا أو حكمًا على ما يجري داخل الدائرة.
تبلغ هذه الوظيفة ذروتها في اللحظة الأخيرة، حين تطلق الجوقة تصفيقة واحدة عنيفة، أشبه بطلقة رصاص، يعقبها سقوط المحاميين قتلى. في هذه اللحظة، يتحول الشاهد إلى فاعل، ويتحول التعليق إلى إدانة نهائية. لا العدالة انتصرت، ولا الفساد نجا. الاثنان يسقطان معًا، ويصبح الفاعل الحقيقي هو الجماعة التي صمتت طويلًا، ثم تدخلت متأخرة.
هذا السقوط المزدوج، بعد تبادل الأدوار، يكشف أن الصراع لم يكن بين ضدين، بل داخل البنية نفسها. لا خلاص فرديًا داخل منظومة كهذه، ولا بطولة أخلاقية ممكنة في لعبة لم تُصمَّم أصلًا للإنصاف. النهاية لا تقدم إجابة، بل تغلق الدائرة على سؤال أكثر قسوة: من المسؤول الحقيقي؟ الفاسد؟ المصلح؟ أم الرأي العام الذي لم يتحرك إلا عند إطلاق الرصاصة؟
يقف خلف العرض فريق عمل اشتغل بوعي على التفاصيل الرمزية. النص من تأليف أسامة مكي، وتولى سمعان رؤوف السينوغرافيا والإخراج، مقدّمًا رؤية تعتمد على التجريد والاقتصاد البصري، وتحويل فضاء محدود إلى ساحة محاكمة رمزية. وأسهمت فرح مصطفى كمخرج منفذ في إحكام التنفيذ، بينما تولّى توماس تنسيق المناظر بما يخدم الصرامة الهندسية للعرض. وجاء التدقيق اللغوي للنص على يد محمد عبد الكريم ليحافظ على نقاء العربية الفصحى بوصفها أحد أعمدة العرض الفكرية.
على مستوى التمثيل، يؤدي محمد عبد الكريم دور «فرانك» في مواجهة مدحت إسماعيل في دور “كنارف”، في ثنائية لا تكتفي بتضاد القيم، بل تؤسسه لغويًا؛ إذ يأتي اسما الشخصيتين كصورتين متعاكستين هجائيًا، في إحالة ذكية إلى فكرة العرض المركزية: العدالة والفساد ليسا جوهرين منفصلين، بل بنيتين قابلتين للتبادل والانقلاب. اختلاف الحروف لا يمنع انتماءهما إلى البنية نفسها، تمامًا كما ينتهي الصراع بسقوطهما معًا.
في المحصلة، لا يسعى عرض “في مكان ما” إلى الإمتاع، بقدر ما يراهن على الإدانة وكشف الآليات. لا يمنح المتفرج راحة الانحياز، بل يضعه في موضع الاتهام، ويذكّره بأن أخطر أشكال العنف ليست تلك التي تُمارَس باسم الفساد وحده، بل تلك التي تُرتكب باسم العدالة أيضًا.


