منوعات

ماركوس المنقسم على نفسه: ثلاث ذوات تبحث عن خلاص مستحيل

لا يقدّم عرض “الثلاث لحظات الأخيرة في حياة السيد ماركوس” نفسه بوصفه حكاية مكتملة بقدر ما يطرح حالة إنسانية مأزومة، حالة رجل نجا جسديًا من المحرقة، لكنه ظل أسيرًا لها نفسيًا وأخلاقيًا، حتى تحوّل نجاته إلى عبء ثقيل يدفعه إلى تبرير العنف بوصفه حقًا مكتسبًا.

ينطلق العرض من فكرة تبدو للوهلة الأولى مباشرة: رجل يهودي يعود إلى منزله بعد نجاته من النازية ليجده مسكونًا بأسرة ألمانية مسيحية، فيشعر بأن وجودهم اغتصاب لحقه، فيقرر الانتقام. غير أن العمل لا يتعامل مع هذه الفكرة بخط درامي تقليدي، بل يفككها عبر بنية عبثية ورمزية، تجعل من القصة إطارًا خارجيًا لصراع نفسي داخلي أكثر عمقًا وتعقيدًا.

يختفي “ماركوس” بوصفه شخصية واحدة متماسكة، ويحل محله ثلاثة ماركوسات، يتشاجرون، يسخرون من بعضهم، ويتبادلون الاتهامات. هذا التشظي لا يبدو مجرد حيلة إخراجية، بل يحيل بوضوح إلى انقسام الذات بين الأنا والهو والأنا العليا، حيث يتصارع الدافع الغريزي مع سلطة الأخلاق والذاكرة، دون أن ينتصر أي طرف بشكل حاسم.

الكرسي الخشبي الفارغ في قلب الخشبة يتحول إلى علامة مركزية في العرض. هو سلطة غائبة، ووجود مفقود، وذاكرة لا تهدأ. ومع كل تقدم في الأحداث، يصبح الكرسي شاهدًا على تلاشي الشخصية الأصلية، وكأن ماركوس الحقيقي لم يعد موجودًا إلا بوصفه فكرة أو ذنبًا معلقًا.

يعتمد العرض على منطق التحريض غير المباشر. ماركوس لا يقتل بيديه، لكنه يدفع الآخرين إلى القتل، ثم يتخلى عنهم أخلاقيًا وقانونيًا. يحرّض الطفل على عمه، والعم على ابن أخيه، ليؤكد فكرة أن العدوان حين يبدأ لا يمكن السيطرة على نتائجه. هنا تتقاطع الدراما مع طرح فلسفي واضح حول الفعل الأول، ورد الفعل، ومسؤولية المحرّض قبل المنفّذ.

رغم كثافة الرموز، يظل العرض حريصًا على إدخال مسحة كوميدية سوداء في بعض المشاهد، خاصة في جدالات ماركوسات الثلاثة، ما يمنح المتفرج لحظات تنفّس قبل العودة إلى الجو القاتم المسيطر. هذه الكوميديا لا تخفف المأساة بقدر ما تكشف عبثيتها.

الطفلة الكفيفة تمثل الضلع الإنساني الأكثر نقاءً في العرض. هي لا ترى، لكنها الأكثر قدرة على إدراك الحقيقة. في مقابل خطاب ماركوس القائم على استرداد الحق بالقوة، تطرح الطفلة منطقًا بسيطًا لكنه عميق: العدوان لا يُقابل بالعدوان، بل بالرحمة. وجودها ليس مجرد رمز للبراءة، بل ميزان أخلاقي يفضح هشاشة مبررات الانتقام.

ذروة العرض تأتي في اللحظة التي يضع فيها ماركوس المسدس في يد الطفلة، ويقنعها بأن إطلاق الرصاص سيُدخله الجنة. هنا يصل التناقض إلى أقصاه: رجل يدّعي امتلاك الحقيقة، ويستغل براءة طفل أعمى ليهرب من ذنبه. موته لا يبدو خلاصًا بقدر ما هو اعتراف متأخر بالعجز عن الاحتمال.

ينتمي العرض بوضوح إلى مسرح التفكيك النفسي، حيث تتقدّم الحالة على الحدث، والرمز على الحكاية. غير أن العمل لا ينغلق على نفسه، بل يحاول الحفاظ على خيط تواصلي مع المتفرج العادي، عبر حكاية مفهومة وشخصيات يمكن تتبعها، حتى وإن تعددت وجوهها.

قد يُؤخذ على العرض في بعض لحظاته الميل إلى التصريح الفلسفي المباشر، حيث يقول الحوار ما كان يمكن أن تقوله الصورة أو الفعل المسرحي. لكن هذا لا ينتقص من قوة التجربة ككل، بقدر ما يشير إلى رغبة صناع العمل في ألا يُساء فهم أطروحتهم الأخلاقية.

في النهاية، لا يمنحنا العرض إجابة مريحة. هل الانتقام حق؟ هل الذاكرة تبرر العنف؟ وهل يمكن للضحية أن يتحول إلى جلاد دون أن يشعر؟ يتركنا “السيد ماركوس” أمام هذه الأسئلة معلقة، ويغادر، تاركًا كرسيه فارغًا، وضمير المتفرج مثقلًا بالتفكير.

عرض “الثلاث لحظات الأخيرة في حياة السيد ماركوس” تجربة مسرحية جادة، تراهن على عقل المتفرج، وتدعوه إلى مساءلة المسلمات الأخلاقية، لا من موقع الإدانة، بل من منطقة الشك الإنساني العميق.

عرض المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى