تحقيقات وتقارير

الإسكندرية التي لا نراها.. ريف عملاق يزرع وينتج ويغذي المدينة

كتب :اسامة منيسي

خلف الواجهة الساحلية المزدحمة للإسكندرية، يعمل اقتصاد زراعي هادئ لا يظهر كثيرًا في صورة المدينة، لكنه يدخل يوميًا في دورة الغذاء والتجارة. من المعمورة والمنتزه والطابية وأبو قير شرقًا، إلى أبيس، وبرج العرب والنهضة ومريوط غربًا وجنوبًا، تمتد مساحات زراعية ومزارع للإنتاج الحيواني والداجني، ترتبط بشبكة أسواق تتجاوز حدود المحافظة إلى البحيرة والنوبارية وغرب الدلتا.وتكشف أرقام مديرية الزراعة بالإسكندرية عن حجم ملموس لهذا النشاط؛ إذ بلغ إجمالي الزمام التابع لإدارة برج العرب الزراعية 72 ألفًا و574 فدانًا وفق بيانات عام 2022، منها 47 ألفًا و853 فدانًا مزروعة، بينما بلغت الأراضي القابلة للاستصلاح نحو 21 ألفًا و153 فدانًا.هذه المساحات لا تمثل مجرد رقعة خضراء على أطراف المدينة، وإنما قاعدة إنتاج تدخل في اقتصاد الغذاء، وتخلق طلبًا على العمالة ومستلزمات الزراعة والنقل والتعبئة والتجارة، قبل أن يصل المنتج في النهاية إلى المستهلك.وتظهر أهمية هذه القاعدة الإنتاجية بصورة أوضح في موسم القمح. فبيانات وزارة الزراعة المنشورة في مارس 2025 تشير إلى أن المساحة المنزرعة بالقمح في الإسكندرية بلغت نحو 25 ألفًا و174 فدانًا، فيما نفذت الإدارة المركزية للإرشاد الزراعي 68 حقلًا إرشاديًا على مساحة 68 فدانًا، إلى جانب 20 تجميعة إرشادية بمساحة تقارب 162 فدانًا جرى تسويتها بالليزر مجانًا للمزارعين بهدف ترشيد استخدام المياه وتحسين الممارسات الزراعية.وقالت الدكتورة ثناء حمد عبد الكريم، رئيس الحملة القومية للنهوض بمحصول القمح في الإسكندرية، إن متوسط إنتاجية الفدان في أراضي كينج مريوط بلغ 20 أردبًا، ووصفت الإنتاجية بأنها جيدة للمنطقة، مشيرة إلى تنفيذ الحقول الإرشادية في 4 إدارات زراعية تشمل الأراضي القديمة والجديدة والملحية.ولا يتوقف النشاط عند المحاصيل. ففي أبيس توجد محطة إنتاج البيض التابعة لأصول وزارة الزراعة، وتكشف بيانات الوزارة أن المحطة المعروفة بمحطة الـ15 مليون بيضة تقع على مساحة 9 أفدنة وتضم 3 عنابر، في نموذج يعكس دخول الإنتاج الحيواني والداجني ضمن مكونات النشاط الزراعي في المنطقة.وتتكرر الصورة في نطاق العامرية، حيث تفقدت وزارة الزراعة مشروعًا لإنتاج الدجاج البياض ضمن مشروعات الإنتاج الحيواني والداجني التابعة لها، في إطار العمل على رفع كفاءة الأصول الإنتاجية.لكن قيمة الأرض الزراعية لا تتوقف عند ما تنتجه داخل الحقل. فبعد الحصاد تبدأ دورة اقتصادية جديدة تضم الفرز والتعبئة والنقل والتخزين وتجارة الجملة والتجزئة، وهي مراحل تضيف تكلفة وقيمة في الوقت نفسه، حتى تصل السلعة إلى المستهلك.في السياق ذاته اكد عبد النعيم موسى، أحد مزارعي الإسكندرية، إن اقتصاد الزراعة يبدأ قبل زراعة المحصول، من تجهيز الأرض وشراء مستلزمات الإنتاج، وينتهي بالبحث عن سوق مناسب لتصريفه. ويشير إلى أن ارتفاع تكاليف الزراعة يجعل سعر البيع عاملًا حاسمًا في قدرة المزارع على الاستمرار، موضحًا أن قرب الأرض من الأسواق يختصر جزءًا من المسافة، لكنه لا يلغي أعباء النقل والتسويق.ومن المزرعة ينتقل المنتج إلى السوق. وفي وكالة العامرية، يضيف غازي جبريل، أحد كبار التجار بوكالة خضروات العامرية ، إن السوق يستقبل الخضروات والفاكهة من مناطق إنتاج مختلفة داخل الإسكندرية وخارجها، وإن حجم الحركة يتغير بحسب الموسم وكميات المعروض والطلب.ولا تظل كل الكميات داخل المحافظة؛ فجزء من المنتجات يعاد توزيعه على أسواق ومناطق أخرى، وهو ما يجعل سوق الإسكندرية جزءًا من شبكة تجارة غذائية أوسع من حدودها الإدارية.وفي وكالة الحضرة، يرصد عماد ناصر الحركة نفسها، موضحًا أن المنتجات تصل إلى السوق من شبكة واسعة من مناطق الإنتاج، وأن حجم التداول يتغير من موسم إلى آخر.وتؤدي أسواق الجملة في هذه المنظومة دورًا اقتصاديًا أساسيًا؛ فهي لا تبيع المنتج فقط، وإنما تعمل كحلقة وصل بين مناطق الإنتاج ومنافذ التجزئة، وتعيد توزيع السلع بحسب احتياجات المناطق المختلفة.وتزداد أهمية هذا الامتداد عندما نصل إلى النوبارية، التي لا تتبع محافظة الإسكندرية إداريًا، لكنها تمثل جزءًا مهمًا من المجال الزراعي المتصل بالمنطقة.وتكشف بيانات وزارة الزراعة لعام 2025 عن زراعة 135 ألفًا و474 فدانًا بالقمح في النوبارية، و36 ألف فدان بالفول، و50 ألف فدان بالبرسيم، و70 ألفًا و211 فدانًا ببنجر السكر، إلى جانب 22 ألفًا و230 فدانًا بالبصل و6 آلاف و500 فدان بالثوم و11 ألف فدان بالكتان.ولا تعني هذه الأرقام أن هذه المساحات جزء من ريف الإسكندرية، وإنما تكشف حجم المجال الزراعي المحيط الذي ترتبط به أسواق المحافظة في حركة السلع والتجارة.وفي قطاع بنجر السكر، تظهر علاقة الإنتاج الزراعي بالصناعة بوضوح أكبر؛ إذ تشير وزارة الزراعة إلى أن منطقة النوبارية تضم نحو 65 ألف فدان مخصصة لزراعة البنجر لتغذية مصنع النوبارية للسكر، الذي تبلغ طاقته الإنتاجية نحو 8 آلاف طن بنجر يوميًا، ويستهدف إنتاج أكثر من 160 ألف طن سكر سنويًا، مع نحو 800 فرصة عمل مباشرة و7500 فرصة غير مباشرة.وهنا تتضح الصورة الاقتصادية الكاملة: الأرض لا تنتج محصولًا فقط، وإنما تحرك سلسلة من الأنشطة تبدأ من مستلزمات الزراعة، مرورًا بالعمالة والحصاد والنقل، وصولًا إلى التصنيع والتجارة والتوزيع.وفي المقابل، يواجه هذا الاقتصاد تحديات تتعلق بتكلفة الإنتاج والمياه والأسمدة والعمالة والنقل والتسويق، إلى جانب ضغط التوسع العمراني والتعديات على الأراضي الزراعية.ولهذا فإن الحفاظ على الأراضي الزراعية القريبة من المدن لا يمثل قضية زراعية فقط، وإنما يرتبط أيضًا باقتصاد الغذاء. فكل فدان منتج يمثل جزءًا من سلسلة توريد، وكل محصول ينتقل من الأرض إلى السوق يخلق حركة في قطاعات النقل والتجارة والتعبئة والتخزين.وتعمل الجهات الزراعية على رفع كفاءة الإنتاج من خلال الإرشاد وترشيد المياه؛ ففي الإسكندرية شملت برامج 2025 7 ندوات لتطوير الري الحقلي، كما نفذت برامج لمحاصيل بنجر السكر والشعير، وبلغت المساحة المزروعة بالشعير نحو 1200 فدان، مع تنفيذ 20 حقلًا إرشاديًا على مساحة 20 فدانًا.وبذلك يمكن قراءة ريف الإسكندرية باعتباره جزءًا من اقتصاد متكامل، وليس مجرد مساحات زراعية تقع خارج الكتلة العمرانية. ففي برج العرب وحدها تتجاوز مساحة الزمام 72 ألف فدان، وفي المحافظة نحو 25 ألف فدان قمح في بيانات موسم 2025، بينما تمتد شبكة الإمداد الزراعي إلى مناطق واسعة في النوبارية وغرب الدلتا.ومن أبيس إلى برج العرب، ومن النهضة ومريوط إلى المعمورة وأبو قير، تتحرك دورة اقتصادية تبدأ من الأرض، ثم تمر بالمزارع والتاجر والسائق وسوق الجملة، قبل أن تصل إلى محل التجزئة والمستهلك.ريف الإسكندرية، إذن، ليس هامشًا للمدينة ولا مجرد حزام أخضر حولها؛ إنه جزء من اقتصادها الغذائي، وخط إنتاج هادئ يبدأ من الفدان، وتحركه التجارة والنقل والعمل، وينتهي كل يوم على موائد سكان الإسكندرية وأسواق المحافظات المجاورة.

عرض المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى