منوعات

“الأمبوز”.. عرض ساخر عن الذعر الجماعي وصناعة الوهم

يُقدِم عرض “الأمبوز” تجربة مسرحية تعتمد على الكوميديا السوداء، كوسيلة لطرح أسئلة حول خوف الإنسان المعاصر من كل ما هو غامض وغير مفهوم، خصوصًا في ظل هيمنة الخطاب الإعلامي القائم على التهويل وصناعة الذعر. العرض الذي يمتد لنحو 45 دقيقة، ينطلق من وضع بسيط ظاهريًا: أسرة مكوّنة من أب وأم وابن، يتابعون عبر التلفاز خبرًا عاجلًا عن خطر غامض يُدعى “الأمبوز”، دون أي تعريف واضح لماهيته أو طبيعته.

هذا الغموض المقصود يشكّل المحرك الأساسي للعرض، حيث يُقارن المذيع بين “الأمبوز” وبين أزمات كونية سابقة مثل كوفيد والتسونامي، معتبرًا إياها مجرد إرهاصات لخطر أعظم يهدد البشرية بالانقراض. ومع إعلان أن المتبقي نصف ساعة فقط قبل وقوع الكارثة، يتسلل الخوف تدريجيًا إلى داخل الشقة، ويتحوّل الانتظار إلى حالة حصار نفسي، خاصة مع التأكيد على أن لا مكان في العالم آمن من هذا الخطر.

يعتمد العرض في بنائه الدرامي على تصاعد التوتر الناتج عن العد التنازلي، وهو تصاعد لا يُترجم إلى حركة خارجية بقدر ما يظهر في التحولات النفسية للشخصيات. عطسة الابن، مثلًا، تتحول إلى علامة تهديد، وتصبح العلاقات داخل الأسرة قائمة على الشك والخوف، لا على الطمأنينة أو الروابط العاطفية. هنا تنجح المسرحية في نقل الخوف من كونه فكرة مجردة إلى سلوك يومي مشوّه.

في لحظة يأس كاملة من النجاة، يبلغ الصراع ذروته بمشهد مكاشفة صادم، يعترف فيه الأب بخيانته للأم، لترد الأخيرة باعتراف مضاد أكثر قسوة، كاشفة خيانتها هي الأخرى، ومعلنة أن الزوج عقيم. هذه الاعترافات لا تأتي بوصفها تطورًا ميلودراميًا، بل كفعل إنساني أخير حين يسقط وهم المستقبل، ويصبح الحاضر هو اللحظة الوحيدة المتاحة للصدق، مهما كان مؤلمًا.

يزداد الالتباس مع اقتحام ضابط للشقة باحثًا عن “الأمبوز”، ما يفتح بابًا جديدًا للتأويل، ويجعل الأسرة تتساءل عمّا إذا كان الخطر وباءً، أم شخصًا، أم فكرة، أم مجرد وهم جماعي. هذا التعدد في الاحتمالات يمنح العرض عمقًا دلاليًا، ويؤكد أن “الأمبوز” ليس خطرًا محددًا بقدر ما هو إسقاط لمخاوف غير مفهومة.

تأتي النهاية لتكسر هذا التوتر كليًا، عبر إعلان تلفزيوني جديد يكشف أن “الأمبوز” ليس سوى منتج استهلاكي تابع لعلامة تجارية شهيرة في عالم الألبان والحلويات، في مفارقة ساخرة تثير ضحك الجمهور، لكنها في الوقت ذاته تفضح آليات السوق والإعلان في استغلال الهلع الإنساني وتحويله إلى سلعة.

على مستوى الأداء، قدّم الممثلون الثلاثة أداءً متوازنًا ومتماسكًا، دون هيمنة شخصية على أخرى. التحكم في تعابير الوجه وحركات الجسد كان واضحًا، كما بدا الانسجام بين الشخصيات طبيعيًا وخادمًا للفكرة. الحوار جاء سلسًا وواضحًا، محافظًا على إيقاع العرض، وموازنًا بين الجدية والسخرية دون افتعال.

الديكور اتسم بالبساطة والكفاءة، معبرًا عن فضاء مغلق يعكس حالة الانتظار والاختناق، بينما استُخدمت الموسيقى في مواضعها بدقة، لتعزيز الحالة النفسية دون أن تطغى على الأداء. أما السينوغرافيا بشكل عام فجاءت متكاملة، تخدم التحولات المزاجية للعرض من التوتر إلى الكوميديا.

في مجمله، لا يعتمد “الأمبوز” على بطل واحد، بل يوزّع ثقل الدراما على الشخصيات الثلاث، بوصفهم تمثيلًا للمواطن البسيط الذي يواجه المجهول، ويتعرض للتلاعب بمخاوفه عبر الإعلام والسوق والنظام الإعلاني. عرض يضحك الجمهور، لكنه يترك خلف الضحك سؤالًا مزعجًا عن هشاشة الإنسان أمام الخوف المصنَّع.

وقُدّم عرض «الأمبوز» على مسرح الجامعة، وهو من إخراج وتنفيذ وتمثيل يوسف جيكا، وشارك في بطولته أحمد فهمي، ومريم مصطفى (توتا)، وعبد الرحمن غنام. تولّت ميسون محمد المكياج، وسوسن محمد إعداد وتنفيذ الموسيقى، وشارك محمد هاني بالفويس أوفر، مع ديكور لعبد الرحمن الشافعي، وإضاءة أحمد الفرن، وإخراج منفذ لعبدالله محمد.

عرض المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى