“عالم الأحلام”: حين يضيق الواقع.. فيتعلم الأطفال كيف يصنعون أحلامهم


بين تساؤل طفلة بريئة عن “لماذا لا تتحقق الأحلام؟” وبين إجابة حكيمة تفتح أبواب الأمل، استطاع المخرج عزت محمد أن يقدم وجبة مسرحية دسمة وممتعة للأطفال في عرض “عالم الأحلام”. العرض الذي شارك فيه 9 أطفال موهوبين، لم يكن مجرد استعراض فني، بل كان “مانيفستو” طفولياً يرفض الاستسلام للصعوبات ويقدس السعي كطريق وحيد لتحويل الخيال إلى واقع ملموس.
الحكاية كجسر للوعي
بدأ العرض الذي شهده رابع أيام ملتقى “نغم للمسرح” في دورته الخامسة، بذكاء درامي عبر السيدة (التي جسدت دورها ياسمين منصور)، والتي لعبت دور “الراوي” والحكيم الذي يمتص حزن الطفلة الصغيرة وتساؤلاتها الوجودية حول الأحلام الضائعة. من خلال صيغة “كان يا ما كان”، انتقل الجمهور إلى عالم موازي جسده الأطفال بحيوية مدهشة، ممزوجة برقصات رشيقة وحركات أكروباتية أضفت حساً كوميدياً ممتعاً، خاصة مع استحضار روح البهجة في أغنية الفنان محمد هنيدي “يا طير طيران ويا الأحلام”.
صراع النور والظلمة.. والطريق الصعب
تجلت القيمة الفلسفية للعرض في لحظة “المشاجرة” الفنية بين الأطفال؛ حيث طرح العرض مواجهة صريحة بين اليأس (الظلمة) والأمل (النور). كان لافتاً طرح قضية “السوشيال ميديا” كطريق سهل للوصول، ورد الأطفال الحاسم بأن “النفس سيكون قصيراً”، وأن الصعوبات هي الدافع الحقيقي للنجاح. هذه الرسالة تعكس وعياً تربوياً عميقاً بضرورة بناء شخصية الطفل على الصبر والمثابرة لا على “التريند” الزائف.
تنوع الأحلام: من “الباشا” إلى “حليم”
قدم كل طفل فقرة تعكس حلمه الشخصي بتنوع مذهل؛ رأينا “الباشا” بطربوشه، و”الراقصة” بأدائها الكوميدي، و”المهرجة” المحترفة. لكن اللحظة الأكثر شجناً كانت حينما تحدثت الطفلة الكبرى عن حلمها باستعادة والدتها الراحلة وأغنية “ماما زمانها جاية”، في مشهد إنساني يمس القلب. كما أبدع أصغر أعضاء الفريق في تقييد شخصية “العندليب” عبد الحليم حافظ، ليؤكد العرض أن الأحلام لا سقف لها، سواء كانت طموحاً مهنياً كطيار ودكتور، أو طموحاً فنياً وإنسانياً.
الخاتمة: أكون أو لا أكون
اختتم العرض بصرخة جماعية للأطفال: “أكون أو لا أكون”، وهي استعارة شكسبيرية وظفت ببراعة لتؤكد أن الوجود الحقيقي مرتبط بتحقيق الذات. وجاءت كلمات السيدة ياسمين منصور لتضع النقاط على الحروف بضرورة السعي، لتنتهي المسرحية بسؤال مفتوح للجمهور: “أنا حققت اللي نفسي فيه.. أنت حلمك إيه؟”.
“عالم الأحلام” ليس مجرد عرض للأطفال، بل هو دعوة للكبار أيضاً لإعادة اكتشاف شغفهم، وجهد يحسب للمخرج عزت محمد والمخرج المنفذ ياسمين منصور في تقديم عمل يجمع بين المتعة البصرية والقيمة الأخلاقية في إطار فني متماسك.


