منوعات

من موسكو إلى مصر.. رحلة تبدأ بالبحث عن الشمس وتنتهي باكتشاف الإنسان

كتبت/نجوى إبراهيم

في بلاد يغطي الثلج أجزاء واسعة منها خلال أشهر الشتاء، تبدو الشمس المصرية وكأنها عالم آخر. لكن المسافة بين موسكو وشواطئ البحر الأحمر لم تمنع ملايين الرحلات من عبورها خلال السنوات الماضية، حاملة روسًا يبحثون عن الدفء والبحر، وفي الوقت نفسه تحمل معهم شيئًا آخر قد لا يظهر في إحصاءات المطارات، هو صورة عن مصر تتشكل من تجربة إنسانية مباشرة.

فالسائح الذي يطأ أرض مصر لا يكتفي بمشاهدة الشواطئ والمنتجعات، وإنما يلتقي بأناسها ويتعرف إلى عاداتها وطعامها ولغتها وتفاصيل الحياة اليومية فيها، لتتحول الرحلة السياحية تدريجيًا من مجرد إجازة إلى تجربة إنسانية وثقافية.

اليوم، لم تعد قصة السائح الروسي في مصر مرتبطة فقط بشرم الشيخ والغردقة، إذ بدأت الخريطة تتسع نحو البحر المتوسط، مع استعداد مطاري الإسكندرية والعلمين لاستقبال رحلات روسية موسمية، وفق ما أعلنته الخارجية المصرية في يوليو 2026.

وهنا تكتسب السياحة معنى يتجاوز عدد الزائرين وليالي الإقامة، إذ تصبح الرحلة نفسها مساحة للقاء ثقافتين، وتتحول الطائرة إلى وسيلة لنقل الناس والذكريات والانطباعات بين مصر وروسيا. فكل رحلة لا تنقل السائح من مدينة إلى أخرى فحسب، وإنما تفتح نافذة جديدة للتعرف إلى مجتمع مختلف، وتمنح الطرفين فرصة لاكتشاف الآخر بعيدًا عن الصور النمطية أو الانطباعات التي قد تتشكل من بعيد.

مصر في صدارة خيارات السائح الروسي.. أرقام تكشف قوة السوق

ولم يعد السوق الروسي مجرد سوق سياحي مهم لمصر، بل أصبح في صدارة الأسواق المصدرة للسياحة إليها. ففي يوليو 2026، أعلن وزير السياحة والآثار المصري شريف فتحي أن السوق الروسية تأتي في المرتبة الأولى بين الأسواق المصدرة للسياحة إلى مصر، مشيرًا إلى ارتفاع إنفاق السائحين خلال الفترة الحالية بنسبة تتراوح بين 30% و40% وفق تقديرات الوزارة.

وفي مارس 2026، أكدت بيانات نقلتها الهيئة العامة للاستعلامات المصرية أن الطلب على مصر ارتفع بنسبة 21% خلال فبراير ومارس مقارنة بالفترة نفسها من 2025، بينما أصبحت مصر تمثل 38% من إجمالي مبيعات شركة Fun&Sun الروسية، وسجلت شركة «إنتوريست» ارتفاعًا في الطلب على مصر بنسبة 188% مقارنة بالعام السابق، كما ارتفع متوسط الإنفاق الفردي إلى 942 دولارًا بزيادة 13%. وتقول هذه الأرقام إن مصر ليست محطة عابرة في خريطة السفر الروسية، وإنما وجهة استطاعت أن تحتفظ بمكانتها في سوق شديد المنافسة.

لماذا يختار الروس مصر؟.. الشمس وحدها لا تكفي

وقد تبدو الإجابة الأولى عن سؤال لماذا يختار السائح الروسي مصر بسيطة: الشمس والدفء. لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا، فالسائح الروسي يجد أمامه منتجًا سياحيًا متنوعًا يجمع بين منتجعات البحر الأحمر والغوص والشعاب المرجانية والسياحة الثقافية والآثار والمدن التاريخية، إلى جانب مستويات مختلفة من الإقامة والخدمات.

وفي مارس 2026، نقلت الهيئة العامة للاستعلامات عن عضو مجلس إدارة اتحاد صناعة السياحة الروسي آرثر موراديان أن شرم الشيخ والغردقة ما زالتا من الوجهات المفضلة لدى المسافرين الروس، مع الإشارة إلى استفادة شرم الشيخ من تنوع الفنادق والإعفاء من تأشيرة الدخول في هذا السياق.

لكن ما يجذب السائح إلى مصر في البداية قد لا يكون بالضرورة هو ما يجعله يتذكرها بعد عودته، فالرحلة قد تبدأ بالبحر والشمس، لكنها قد تنتهي أمام الأهرامات أو داخل متحف أو بين آثار الأقصر وأسوان أو في أحد شوارع القاهرة القديمة، وهنا تبدأ الثقافة في لعب دورها الحقيقي. فمصر بالنسبة للسائح الروسي يمكن أن تكون منتجعًا وشاطئًا، لكنها في الوقت نفسه حضارة عمرها آلاف السنين، ومدينة نابضة بالحياة، ومجتمعًا له عاداته وتقاليده وطعامه ولغته.

السائح شاهدًا على الحياة المصرية.. حين تتحول الرحلة إلى لقاء ثقافي

فالسياحة تمنح المواطن الروسي فرصة لرؤية مصر بعيدًا عن الصور التي تقدمها وسائل الإعلام أو الإعلانات. إنه يرى الناس في حياتهم اليومية، ويتعرف إلى الطعام المصري، ويسمع اللغة العربية، ويكتشف العادات الاجتماعية، ويتعامل مع العاملين والمرشدين وسائقي السيارات وأصحاب المتاجر. وفي المقابل، يتعرف العامل المصري إلى شخصية السائح الروسي واهتماماته وعاداته وطريقة تفكيره. وقد يبدو هذا التفاعل بسيطًا، لكنه في الحقيقة أحد أكثر أشكال الدبلوماسية الإنسانية تأثيرًا، لأن العلاقات بين الشعوب لا تُبنى فقط في السفارات وقاعات المؤتمرات، وإنما قد تبدأ من موظف فندق يقول للسائح «Добро пожаловать».. مرحبًا، وتستمر في مطعم أو متحف أو رحلة بحرية أو حديث قصير بين مرشد مصري ومجموعة من الزائرين الروس.

السياحة التي تجمع الشعوب.. دبلوماسية تبدأ من الفندق والمطار

وهذه الفكرة لا تبدو بعيدة عن الخطاب الروسي حول أهمية السياحة كوسيلة للتعرف إلى الثقافات المختلفة وتعزيز الروابط بين الشعوب. ففي التحضير لمنتدى السياحة الدولي الروسي «Путешествуй!» لعام 2026، جرى التأكيد على أن السياحة يمكن أن تكون وسيلة للتعرف إلى الثقافات المختلفة، وحمل المنتدى شعارًا يقوم على فكرة «ثقافات مختلفة – قيم مشتركة: السفر الذي يوحد الناس».

وهذه الفكرة تنطبق بصورة واضحة على الحالة المصرية الروسية، فالسائح الروسي لا يحتاج إلى دراسة كتاب عن مصر كي يعرف المصريين، ويمكنه ببساطة أن يأتي إلى مصر ويعيش جزءًا من تفاصيلها، كما أن المصري لا يحتاج إلى قراءة عشرات الكتب عن روسيا حتى يكتشف جانبًا من المجتمع الروسي، وإنما يمكنه أن يلتقي بالروسي في فندق أو مطار أو رحلة سياحية، أو يذهب هو نفسه إلى روسيا.

وهكذا يصبح السفر شكلًا من أشكال التعليم غير الرسمي، وتصبح التجربة المباشرة وسيلة لاكتشاف الآخر. وكلما زادت حركة السفر بين البلدين، زادت معها فرص اللقاء، وتراجعت المسافات النفسية التي قد تصنعها الجغرافيا أو الصور المسبقة.

من البحر الأحمر إلى البحر المتوسط.. خريطة جديدة للسائح الروسي

وعلى مدى سنوات، ارتبط اسم السائح الروسي في مصر بشكل أساسي بشرم الشيخ والغردقة، لكن عام 2026 يحمل تطورًا جديدًا في هذه العلاقة مع الاتجاه نحو توسيع خريطة المقاصد السياحية. ففي 3 أبريل، أشار وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال مباحثاته مع نائب رئيس الوزراء الروسي أليكسي أوفيرتشوك إلى أهمية زيادة الرحلات المباشرة مع روسيا، بينما أكد أن مطاري العلمين والإسكندرية مستعدان لاستقبال السياح الروس. وفي 22 يوليو، أكدت الخارجية المصرية أن الجانب الروسي منح موافقة مبدئية على مطاري العلمين والإسكندرية الدوليين، تمهيدًا لتشغيل رحلات موسمية، بما يدعم تدفق السياح الروس ويعزز التعاون السياحي بين البلدين.وهذه الخطوة تحمل أهمية تتجاوز الطيران، لأن زيادة الرحلات تعني فتح مسارات جديدة للتعارف واكتشاف مدن مصرية مختلفة. فالسائح الروسي الذي اعتاد على البحر الأحمر سيكون أمام فرصة لاكتشاف وجه آخر لمصر، أكثر ارتباطًا بالتاريخ والمدن والثقافة والحياة اليومية.

الإسكندرية تفتح أبوابها للروس.. مدينة المتوسط تروي حكاية مختلفة

وتأتي الإسكندرية في مقدمة هذه المدن بما تمتلكه من خصوصية تاريخية وثقافية تجعلها مختلفة عن منتجعات البحر الأحمر. فالمدينة التي نشأت تاريخيًا من تفاعل الحضارات، وجمعت بين التأثيرات اليونانية والرومانية والمصرية، تقدم للسائح تجربة تجمع بين البحر والتاريخ والحياة اليومية. ومن قلعة قايتباي إلى مكتبة الإسكندرية، ومن الكورنيش إلى المتاحف والمواقع التاريخية، يستطيع الزائر الروسي أن يكتشف مدينة لا تقدم نفسها باعتبارها مجرد شاطئ، وإنما باعتبارها جزءًا من تاريخ طويل من التفاعل بين الحضارات.

أما العلمين فتمثل صورة أخرى لمصر الساحلية الحديثة، وبذلك يمكن للسائح الروسي أن يكتشف مصر من زاوية جديدة؛ ليس فقط مصر التي تستقبله على البحر الأحمر، وإنما مصر المتوسطية أيضًا. وبالنسبة إلى الإسكندرية تحديدًا، فإن فتح المجال أمام الرحلات الروسية يحمل فرصة ثقافية إلى جانب أهميته السياحية، فالمدينة التي شهدت على مدار تاريخها تداخلًا بين ثقافات متعددة تستطيع أن تقدم نفسها للسائح الروسي باعتبارها مدينة للحوار بين الحضارات.

«Добро пожаловать».. اللغة أول خطوة نحو التفاهم

وفي المدن السياحية المصرية، أصبحت اللغة الروسية جزءًا من الحياة اليومية، فهناك موظفون تعلموا الروسية للتعامل مع الزائرين، ومرشدون يستخدمونها في شرح التاريخ، ومطاعم وفنادق تقدم خدمات باللغة الروسية. وهذه التفاصيل لها أثر يتجاوز مجرد سهولة التواصل، فاللغة تعني للزائر أن الطرف الآخر بذل جهدًا للاقتراب منه، وفي المقابل فإن السائح الذي يتعلم بعض الكلمات العربية خلال رحلته يبدأ هو الآخر في الاقتراب من الثقافة المصرية بطريقة مختلفة.

وقد لا يتذكر السائح اسم كل معلم زاره، لكنه ربما يتذكر كلمة مصرية تعلمها، أو موقفًا طريفًا مع أحد العاملين، أو طبقًا مصريًا جربه لأول مرة. وهذه الذكريات الصغيرة هي التي تبقى طويلًا بعد انتهاء الرحلة، لأنها ترتبط بتجربة شخصية لا بمجرد معلومة سياحية.

من السائح إلى سفير غير رسمي.. القوة الناعمة في حقيبة السفر

وعندما يعود السائح الروسي إلى بلاده، فإنه لا يعود بحقيبة ملابس وصور فقط، وإنما يعود بتجربة كاملة قد تتحول إلى قصة يحكيها لأسرته وأصدقائه.

قد يتحدث عن شرم الشيخ أو الغردقة، أو يري أصدقاءه صور الأهرامات، أو يحكي عن المصريين الذين قابلهم، وربما تصبح تجربته سببًا في أن يزور شخص آخر مصر.وهنا تظهر قوة السياحة باعتبارها إحدى أدوات القوة الناعمة، فالدولة لا تتحدث عن نفسها فقط، وإنما تسمح للزائر بأن يعيش تجربتها ثم ينقل انطباعه عنها إلى بلده. ومن هذه الزاوية، يصبح السائح الروسي شريكًا غير مباشر في بناء صورة مصر داخل المجتمع الروسي، كما تصبح التجربة المصرية جزءًا من الذاكرة الشخصية لكل من زارها.

التعارف في اتجاهين.. ماذا يتعلم المصريون من الزائر الروسي؟

لكن العلاقة ليست في اتجاه واحد، فالسائح الروسي الذي يتعرف إلى مصر يترك هو الآخر أثرًا في المجتمع الذي يستقبله. فالعاملون في قطاع السياحة يتعاملون مع اللغة الروسية وثقافتها، ويتعلمون كيف يفهمون احتياجات الزائر وعاداته، بينما تخلق آلاف اللقاءات اليومية مساحة للتقارب وإزالة جزء من المسافة التي تصنعها الجغرافيا.

وتتفق هذه الفكرة مع رؤية أوسع للتعاون الثقافي بين البلدين، ففي مايو 2026، شاركت وزيرة الثقافة المصرية جيهان زكي في فعاليات ثقافية في قازان، وشهدت لقاءات تناولت التعاون في الثقافة والفنون والمتاحف والسينما والأدب والشباب، إلى جانب بحث التعاون الثقافي والسياحي بين مصر وتترستان وروسيا. وهكذا لا تقف العلاقة عند حدود السياحة، وإنما تمتد من السائح إلى الثقافة والفن والتعليم والتبادل الإنساني.

السياحة والاقتصاد.. رحلات جوية تصنع جسورًا أوسع

ولا يمكن بالطبع تجاهل الجانب الاقتصادي للسياحة الروسية، فالسائح ينفق على الطيران والفنادق والمطاعم والنقل والرحلات والتسوق والأنشطة الترفيهية، وهو ما يجعل السياحة مرتبطة بسلسلة طويلة من الأنشطة وفرص العمل. وفي الوقت نفسه، فإن زيادة الرحلات الجوية لا تخدم السياحة وحدها، بل تسهل الحركة بين البلدين وتزيد فرص التواصل التجاري والثقافي.

وقد أكد وزير الخارجية المصري خلال مباحثاته مع الجانب الروسي في أبريل 2026 أهمية زيادة الرحلات المباشرة، بالتوازي مع التعاون في مجالات استراتيجية أخرى مثل محطة الضبعة النووية والمنطقة الصناعية الروسية في قناة السويس والطاقة والغذاء والثقافة. وهنا تظهر طبيعة العلاقة المصرية الروسية في صورتها الأوسع، فالسياحة ليست جزيرة منفصلة، وإنما جزء من شبكة أكبر من المصالح والتواصل.

من وجهة سياحية إلى مكان مألوف.. مصر في ذاكرة المسافر الروسي

هناك فرق بين أن يزور الإنسان بلدًا مرة واحدة، وأن يصبح هذا البلد مألوفًا بالنسبة إليه. والسياحة الروسية في مصر قطعت جزءًا مهمًا من هذه المسافة، فشرم الشيخ والغردقة أصبحتا اسميْن معروفين لدى أجيال من السائحين الروس، ومع توسع الخريطة نحو الإسكندرية والعلمين يمكن أن تدخل أسماء مصرية جديدة إلى ذاكرة المسافر الروسي.وهذا يعني أن صورة مصر في روسيا يمكن أن تتسع هي الأخرى، فمصر ليست فقط الأهرامات، وليست فقط البحر الأحمر، وليست فقط منتجعًا سياحيًا، وإنما هي أيضًا الإسكندرية والقاهرة والأقصر وأسوان والعلمين، وهي المتحف والشارع والمقهى والطعام والإنسان.

جسر لا تقيسه الأرقام.. أثر إنساني يتجاوز إحصاءات السياحة

وإذا كانت الأرقام تقيس حجم السياحة، فإنها لا تستطيع وحدها قياس أثرها الإنساني. لا توجد خانة في جداول الإحصاءات تقول كم عدد الصداقات التي بدأت بين سائح روسي ومصري، ولا يوجد رقم يحصي عدد المرات التي عاد فيها سائح إلى بلاده وهو يحمل صورة مختلفة عن مصر، لكن هذه الأشياء موجودة في تكرار الزيارة، وفي اختيار مصر مرة أخرى، وفي القصص التي تُروى، وفي اللغة التي يتعلمها العامل المصري، وفي الكلمات العربية التي يلتقطها السائح الروسي.

وهنا تحديدًا تكمن قيمة السياحة باعتبارها جسرًا بين الشعوب، لأنها تمنح الإنسان فرصة للقاء إنسان آخر بعيدًا عن السياسة والجغرافيا والصور المسبقة. وقد يكون هذا الأثر غير قابل للقياس بالأرقام، لكنه يظل من أكثر الآثار بقاءً في ذاكرة الشعوب.

المستقبل.. من زيادة الرحلات إلى توسيع مساحة التعارف بين الشعبين

وتشير المؤشرات الحالية إلى أن التعاون السياحي بين مصر وروسيا يتجه إلى مزيد من التنوع، مع تصدر السوق الروسية للأسواق المصدرة للسياحة إلى مصر، إلى جانب التطورات الخاصة بمطاري الإسكندرية والعلمين، بما يعكس رغبة في توسيع الخريطة الجغرافية للرحلات الروسية. وفي المقابل، يؤكد الخطاب الروسي حول السياحة على دور السفر في التعارف بين الثقافات وتعزيز الروابط الإنسانية.

وبين الموقفين المصري والروسي تتشكل فرصة حقيقية لأن تصبح السياحة أكثر من حركة مسافرين بين مطارات البلدين، وأن تتحول إلى حركة أفكار وتجارب وثقافات، بحيث لا يكون الهدف فقط زيادة أعداد السائحين، وإنما تعظيم القيمة الإنسانية والثقافية لكل رحلة.

حين تعبر الشمس حدود الجغرافيا.. السياحة تكتب فصلًا جديدًا في العلاقات المصرية الروسية

ومن موسكو إلى شرم الشيخ، ومن الغردقة إلى الإسكندرية، قطعت السياحة الروسية آلاف الكيلومترات، لكن المسافة الأهم التي قطعتها لم تكن على الخريطة، وإنما كانت المسافة بين إنسان وإنسان.

فالسائح الروسي الذي جاء إلى مصر بحثًا عن الشمس قد يجد نفسه أمام حضارة عمرها آلاف السنين، والعامل المصري الذي استقبل السائح قد يتعلم لغة جديدة وثقافة جديدة، والمدينة المصرية التي استقبلت الزائر تكتسب بدورها نافذة جديدة تطل منها على المجتمع الروسي.

وهكذا تصبح الرحلة السياحية حوارًا غير مكتوب، لا يحتاج إلى مؤتمر أو بيان؛ يبدأ في المطار، ويمر بالفندق والشاطئ والمتحف والمطعم، وينتهي في ذاكرة شخص يعود إلى بلاده حاملًا قصة عن بلد آخر. ولعل هذا هو المعنى الأعمق للعلاقة بين مصر وروسيا، فبين البلدين اتفاقيات ومشروعات ومصالح استراتيجية، لكن هناك أيضًا شيئًا لا تستطيع الاتفاقيات وحدها صناعته، وهو معرفة الشعوب ببعضها.

ومن البحر الأحمر إلى البحر المتوسط، تبدو السياحة الروسية في مصر وكأنها تكتب فصلًا جديدًا في هذه المعرفة، فصلًا لا تُقاس قيمته فقط بعدد الرحلات أو أعداد السائحين، وإنما بعدد التجارب والذكريات والانطباعات التي تنتقل من شعب إلى آخر. فقد جاء الروسي إلى مصر سائحًا يبحث عن الشمس، ثم أصبح شاهدًا على ثقافتها، وعاد إلى بلاده حاملًا تجربته، لتظل الرحلة مستمرة حتى بعد أن تغادر الطائرة الأجواء المصرية.


عرض المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى