منوعات

هل الحقيقة هي ما حدث أم ما يتوافق مع مصالحنا؟ قراءة في عرض “اعتراف”

الناقد الفني – حازم الوكيل:

في تجربة مسرحية مغايرة، اختار المخرج ياسر فوزي أن يخرج بالجمهور من “علبة المسرح” التقليدية إلى قاعة محكمة مفتوحة، يفصلنا عن أحداثها مجرد خيط من الإضاءة الملونة. عرض “اعتراف”، المأخوذ عن نص “في غابة” لأكوتاجاوا، لم يكتفِ بسرد جريمة قتل مهجورة، بل وضع وعي الحاضرين على منصة الاتهام، طارحاً السؤال الذي يزلزل الثوابت: هل هناك حقيقة واحدة صلبة، أم أننا نعيش في “غابة” من الروايات المشوهة؟

تبدأ الرحلة مع المبدع عمر اللواء، الذي لعب باقتدار دور “حارس البوابة”، حيث جسد حالة “اللوث” العقلي الناتجة عن العزلة ببراعة مدهشة. اللواء لم يمثل الجنون، بل عاشه أمامنا بحركات جسدية مباغتة وسخرية سوداء، فكان هو الدليل “غير الموثوق” الذي قادنا من الواقع إلى عالم الشك، حيث تتصادم الروايات وتضيع المعالم.

وهنا يبرز دور الصحفي الذي جسده أحمد ميدو بذكاء لافت؛ ميدو كان “صوت المنطق” الذي يحاول ترويض الفوضى، لكنه بأسئلته المباشرة للجمهور حول “الحقيقة النسبية” كان يورطنا في اللعبة. لقد نجح ميدو في الحفاظ على شعرة فاصلة بين الفضول المهني وبين كونه المحرك الذي يدفع الشخصيات (والجمهور) لمواجهة أكاذيبهم، فكان أداؤه رصيناً وهادئاً، مما خلق توازناً ضرورياً مع صخب المحاكمة.

أما مريم توتا، فقد قدمت أداءً يستحق وقفة تأمل عميقة؛ مريم لم تلعب دور “الزوجة الضحية” بالمعنى السطحي، بل جسدت مأساة “الوجود الأنثوي” في مجتمع لا يرحم. في روايتها، كانت مريم تتقلب بين الانكسار التام أمام نظرات الزوج القاتلة، وبين القوة اليائسة التي تدفعها لارتكاب فعل صادم لمسح العار. لقد برعت مريم في إظهار كيف يمكن للإنسان أن “يصنع” حقيقته الخاصة ليتمكن من التعايش مع بشاعة ما حدث، فكانت نظراتها وتلعثمها المدروس يحيّران المشاهد: هل هي ضحية الظروف أم ضحية كبريائها؟ هذا الغموض هو ما أعطى للشخصية ثقلاً فلسفياً نادراً.

ولم يكن باقي الفريق (أحمد رضا، وأماني سويلم، ومحمد الهلالي، ومحمود صلاح) مجرد مؤدين، بل كانوا ركائز في بناء سيمفونية القلق، حيث تحركوا بوعي حاد في فضاء القاعة باستوديو “برانديللو”، ليؤكدوا أن “العدالة” في النهاية ليست إلا تبادلاً للمقاعد والقوى.

“اعتراف” المأخوذ عن رائعة أكوتاجاوا هو صرخة في وجه اليقين، ودعوة للاعتراف بأننا جميعاً قتلة للحقيقة عندما تتعارض مع صورتنا أمام أنفسنا.

عرض المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى