

إن فشل المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران لا يعكس مجرد تعثرٍ دبلوماسي عابر، بل يكشف عن فجوةٍ عميقة في الرؤى وانعدامٍ حقيقي لنقاط الالتقاء.
فالتصريحات الصادرة عن الرئيس الأمريكي، والتي تدور في فلك “الحصول على كل شيء أو لا شيء”، تؤكد أن واشنطن لا تبدو مستعدة لتقديم تنازلات حقيقية، بل تسعى إلى فرض شروطٍ أحادية، من بينها فتح مضيق هرمز، وتخلي إيران عن مشروعها النووي، وتسليم اليورانيوم المخصب، دون تقديم ضماناتٍ جدية تحول دون تكرار سيناريوهات التصعيد أو الحرب مستقبلًا.
ومن منظورٍ تحليلي، يبدو أن الهدف الاستراتيجي للولايات المتحدة يتجاوز مجرد كبح البرنامج النووي الإيراني، ليصل إلى محاولة تغيير النظام الإيراني، وفرض السيطرة على أحد أهم الممرات المائية في العالم، وهو مضيق هرمز، إضافة إلى إعادة تشكيل آليات التحكم في النفط الإيراني.
إن تعثر هذه المفاوضات يعيد المشهد إلى نقطة الصفر، لكن في سياق أكثر تعقيدًا وخطورة؛ إذ لم تعد ملامح الصراع كما كانت، بل أصبحت أكثر حدةً وشراسة، في ظل تصاعد التهديدات الأمريكية، ليس فقط تجاه إيران، بل أيضًا تجاه القوى الداعمة لها، مثل الصين وروسيا، عبر التلويح بفرض عقوبات في حال استمرار دعمها العسكري لطهران.
وتعكس هذه التهديدات انتقال الأزمة إلى مرحلة أكثر توترًا، قد تُدخل المنطقة في نفقٍ مظلم من عدم الاستقرار، دون الجزم بالوصول إلى حرب عالمية ثالثة، وإن كانت المؤشرات تنذر بتصعيدٍ خطير.
وعلى الجانب الآخر، فقد أظهرت المرحلة الماضية تباينًا واضحًا في مواقف الحلفاء؛ إذ تراجعت بعض الدول عن الانخراط في مواجهة مباشرة مع إيران، خاصة في ظل سيطرة الأخيرة على مضيق هرمز، الذي يُمثل ورقة ضغط استراتيجية قادرة على إعادة تشكيل مواقف العديد من القوى الدولية.
وفي نهاية المطاف، يظل ميزان القوة هو العامل الحاسم في رسم ملامح المرحلة المقبلة؛ فالدول التي تمتلك عناصر القوة الحقيقية، السياسية والعسكرية والاقتصادية، هي وحدها القادرة على الثبات في وجه العواصف، وفرض إرادتها على طاولة التفاوض قبل ميادين الصراع.



