مقالات

أسامة شمس الدين يكتب: الوقود والأسعار.. المواطن بين مسؤولية الدولة وجشع بعض التجار

عندما تقوم الدولة برفع أسعار الوقود، فإنها تبادر – تبعًا لذلك – من الناحية الأولى إلى التدخل في تسعير خدمات النقل، سواء ما يتعلق بسيارات الأجرة أو وسائل النقل العام، وذلك بهدف ضبط السوق ومنع المغالاة. وفي ضوء هذا الإجراء نجد أن الدولة تؤدي دورها في تحديد تعريفة الركوب بما يخفف من أثر الزيادة في أسعار الوقود على المواطنين الذين يعتمدون على وسائل النقل العامة أو سيارات الأجرة الملتزمة بالتعريفة الرسمية.

غير أن المعضلة الحقيقية تظهر في تلك المسافات أو الخطوط التي لا تخضع لتسعير محدد أو رقابة واضحة، حيث يتعرض المواطنون لضغط من بعض سائقي السيارات الخاصة العاملة خارج إطار خطوط السير الرسمية، والتي لا تلتزم بخط سير معتمد ولا تخضع لتعريفة محددة. ويترتب على ذلك أن يتحمل المواطن في بعض المسافات القصيرة مبالغ تفوق بكثير ما يدفعه في المسافات الأطول التي تخضع للتسعير الرسمي، وهو وضع يخل بمبدأ العدالة في تقديم الخدمة ويزيد من الأعباء اليومية على المواطنين.

ومن ناحية أخرى، يظهر تأثير سلبي آخر يتمثل في استغلال بعض التجار لقرار رفع أسعار الوقود، حيث يسارعون إلى رفع أسعار السلع الغذائية والتموينية وغيرها بحجة زيادة تكاليف النقل. والحقيقة أن تكلفة النقل – في كثير من الحالات – تُحسب وفقًا لمسافة النقل أو حمولة الشاحنات بالأطنان، وبالتالي فإن الزيادة الفعلية في تكلفة النقل تكون محدودة نسبيًا، ويمكن استيعابها من خلال زيادات طفيفة تتناسب مع نسبة الزيادة في الوقود. إلا أن بعض التجار يستغلون هذه القرارات لرفع الأسعار بصورة مبالغ فيها، بما يحقق لهم أرباحًا إضافية على حساب المواطن.

واللافت أن هذه الزيادات في الأسعار قد تحدث أحيانًا حتى قبل تطبيق القرارات رسميًا، إذ يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بمجرد توقع صدور القرار، وهو ما يعكس خللًا في منظومة الرقابة، ويؤكد الحاجة إلى مزيد من الضبط والمتابعة.

وفي هذا السياق، لا يقتصر الأمر على الرقابة القانونية أو الإدارية فحسب، بل يحتاج أيضًا إلى قدر من الوعي الأخلاقي والديني. فاستغلال الأزمات أو القرارات الاقتصادية لتحقيق مكاسب غير مشروعة على حساب المواطنين يُعد نوعًا من الظلم، لأن المواطن في النهاية ليس رقمًا في معادلة اقتصادية، بل هو نسيج المجتمع. ومن ثم فإن العدالة في المعاملات والرحمة في التعامل تبقى حجر الأساس في أي مجتمع يسعى إلى التماسك والاستقرار.

ومن هنا، تبرز الحاجة إلى ترسيخ الوعي الأخلاقي والديني، حتى يدرك كل فرد مسؤوليته تجاه مجتمعه، وأن تحقيق الربح لا ينبغي أن يكون على حساب معاناة الناس أو استغلال ظروفهم.

عرض المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى