منوعات

حين يعجز القلب عن الكلام.. قراءة نقدية في عرض “خطان متوازيان لا يلتقيان”


في مساحات المسرح التي تراهن على الصورة والرمز أكثر من اعتمادها على الحوار المباشر، يأتي العرض الرومانتيكي “خطان متوازيان لا يلتقيان” ليطرح سؤالًا إنسانيًا قديمًا ومتجددًا: هل يمكن للعلاقات الإنسانية أن تستمر إذا غابت عنها اللغة العاطفية حتى وإن توافرت مقومات الاستقرار المادي والاجتماعي؟
يقدّم العرض رؤية درامية تعتمد على تقنيات المايم بوصفها لغة جسدية بديلة، تتحول فيها الحركة إلى نص بصري قادر على نقل الصراع النفسي بين شخصيتين تمثلان نموذجين متناقضين داخل العلاقة الزوجية؛ رجل تحكمه الحسابات العقلانية والعملية، وامرأة تسعى إلى الاحتفاء بالمشاعر بوصفها جوهر العلاقة الإنسانية.
ينطلق العرض بصورة افتتاحية شديدة الدلالة؛ شاب وفتاة معصوبا العينين برباط أسود، يتحركان عبر حركات مايم تحمل في طياتها إشارات إلى فقدان القدرة على الرؤية الحقيقية للآخر. منذ اللحظة الأولى يضع العمل المتلقي أمام استعارة بصرية واضحة تشير إلى العمى العاطفي، أو ربما العمى المتبادل عن فهم احتياجات الشريك.
يتطور الصراع خلال مرحلة الخطوبة حيث تتجسد الفروق النفسية بين الشخصيتين بشكل واضح؛ فالفتاة تنشغل بالتفاصيل الرومانسية المرتبطة بالزفاف وشهر العسل والمشاعر المرتقبة، بينما ينحاز الشاب إلى التخطيط العملي للمستقبل، رافضًا حتى مظاهر التقارب اللفظي مثل أسماء التدليل. يقدم العرض هنا قراءة واقعية لصدام ثقافي ونفسي يتكرر داخل العلاقات الحديثة، حيث تتحول البراجماتية المفرطة إلى جدار يعزل الإنسان عن التعبير العاطفي.
يُحسب للعرض اعتماده شبه كبير على الأداء الجسدي في نقل تفاصيل الحياة اليومية للشخصيتين. فمشاهد إعداد القهوة أو تبديل الملابس أو قيادة السيارة تتحقق عبر محاكاة حركية دقيقة دون الاستعانة بديكور أو إكسسوارات. هذا الاختيار السينوغرافي لا يحقق فقط اقتصادًا مسرحيًا، بل يمنح المتلقي مساحة للمشاركة في بناء الصورة الذهنية للمشهد.
نجح الأداء التمثيلي في إبراز التناقض الحركي بين الشخصيتين؛ إذ جاءت حركة الزوج أكثر حدة وتنظيمًا وإيقاعًا ميكانيكيًا، بينما اتسمت حركة الزوجة بالانسيابية والمرونة، بما يعكس الفارق النفسي بين العقل الحسابي والوجدان الباحث عن الاحتواء.
ومع ذلك، فإن الاعتماد على نمط تعبيري واحد في بعض المقاطع أدى إلى قدر من التكرار البصري، وهو ما كان يمكن تجاوزه عبر تنويع الإيقاع الحركي أو إدخال تحولات جسدية أكثر حدة تعكس تصاعد الصراع الدرامي.
شكّل توظيف الموسيقى والغناء أحد أبرز عناصر قوة العرض، حيث جاءت كمقابل درامي للحوار الغائب. لم تكن الموسيقى مجرد خلفية صوتية، بل تحولت إلى وسيط تعبيري يعكس الحالة النفسية للشخصيات، ويساهم في نقل التحولات الشعورية عبر الإيقاع والنغمة.
ورغم نجاح هذا التوظيف في خلق مناخ رومانسي حزين يتماشى مع طبيعة العمل، إلا أن الربط الدرامي المباشر بين التغيرات الموسيقية والتطورات النفسية للشخصيات كان يمكن أن يكون أكثر وضوحًا، بما يعزز من التفاعل الوجداني لدى المتلقي.
وبمرور الأحداث، تتعمق الأزمة الإنسانية في العرض. ويظهر الزوج منشغلًا بالكامل بمسؤوليات العمل وتربية الابن، في مقابل تجاهل شبه كامل لاحتياجات زوجته العاطفية، حتى خلال فترة الحمل وما يصاحبها من تغيرات نفسية وجسدية.
يصل العرض إلى ذروة تعبيرية مؤثرة من خلال الجملة الرمزية التي ترددها الزوجة: “إحنا بني آدمين وليس روبوت”، وهي جملة تختصر جوهر الصراع بين إنسان يبحث عن الاحتواء وآخر يستبدل المشاعر بمنطق الأرقام والواجبات.
ويكشف العرض عن طبقة درامية إضافية حين تواجه الزوجة زوجها باستمرار تعلقه بعلاقة حب قديمة لم تكتمل. هنا ينتقل العمل من صراع بين شخصيتين إلى صراع داخلي داخل شخصية الرجل ذاته، حيث يعيش نجاحًا اجتماعيًا ومهنيًا ظاهريًا، لكنه يعاني من وحدة نفسية عميقة وسط أسرته ومحيطه الاجتماعي.
كان يمكن لهذه الخلفية النفسية أن تحظى بتأسيس درامي أعمق داخل السياق الحركي للعرض، لما تحمله من إمكانات تفسيرية لسلوك الشخصية وتناقضاتها.
يطرح العرض تساؤلًا اجتماعيًا شديد الحساسية عبر معاناة الزوجة التي تجد نفسها أمام خيارين أحلاهما مرّ: الاستمرار في علاقة تفتقر إلى الإشباع العاطفي، أو التمرد على معايير المجتمع التي تربط نجاح الزواج بتوافر الاستقرار المادي فقط.
نجح العمل في تقديم هذا الصراع بصورة إنسانية مؤثرة، إلا أن المعالجة الدرامية بدت أحيانًا منحازة لرؤية الزوجة دون تقديم قراءة أكثر توازنًا لتعقيد العلاقة بين الطرفين.
يختتم العرض مشاهده بنفس الصورة التي بدأ بها، لكن مع تحوّل رمزي بالغ الدلالة؛ حيث يظهر الرجل معصوب العينين بينما تتحرر المرأة من الرباط. تمثل هذه النهاية انتقال حالة العمى العاطفي من الزوجة التي كانت تحاول التكيف، إلى الزوج الذي يدرك متأخرًا خسارته الإنسانية.
هذه النهاية تمنح العرض بعدًا فلسفيًا يرسخ فكرة أن تجاهل المشاعر لا يؤدي فقط إلى تدمير العلاقة، بل قد يقود الإنسان إلى عزلة داخل حياته ذاتها. ورغم قوة هذا الطرح الرمزي، فإن النهاية جاءت مفتوحة، تاركة مصير العلاقة معلقًا، وهو خيار جمالي يفتح باب التأويل لكنه قد يترك بعض المتلقين في انتظار حسم درامي أكثر وضوحًا.

د

عرض المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى