أسامة شمس الدين يكتب ..قانون الإيجار الجديد بين إنصاف المالك ومعاناة المستأجر


يحمل قانون الإيجار رقم 168 لسنة 2025 قدرا معتبر من الإنصاف لمالكي العقارات ، بعد عقودٍ طويلة من الجمود التشريعي الذي أخلّ بالتوازن في العلاقة الإيجارية ، إلا آثاره العملية لا تخلو من آثار قوية واضحة تمس شريحةً واسعة من مستأجري الوحدات السكنية ، ولا سيما القاطنين في المناطق المصنَّفة بوصفها مناطق متميزة . .
فقد نشأت كثير من العلاقات الإيجارية في ظروفٍ اقتصادية واجتماعية مغايرة ، كان المستأجرون خلالها يسددون قيمًا إيجارية محدودة تتناسب مع دخولهم وأوضاعهم المعيشية آنذاك . . غير أن إعادة احتساب الأجرة وفقًا لمضاعفات كبيرة ، وبناءً على التصنيف الجديد للمناطق ، أدت إلى تحويل تلك القيم إلى مبالغ مرتفعة نسبيا لبعض الفئات وقد يتعثر عددٌ غير قليل من المستأجرين عن الوفاء بها ، الأمر الذي أوجد حالةً من القلق الاجتماعي والتعثر المالي ، تستحق التوقف أمامها والتأمل في آثارها بعناية .
ولا خلاف على أن حماية الملكية الخاصة مبدأ دستوري أصيل ، وأن تصحيح أوضاع الملاك بعد سنواتٍ من اختلال التوازن التشريعي يمثل ضرورةً قانونيةً واقتصادية . . إلا أن العدالة ، في مفهومها الشامل ، لا تكتمل إذا انصرفت إلى طرفٍ واحد من أطراف العلاقة ، وأغفلت الأثر الاجتماعي المترتب على التطبيق الصارم للنصوص ، لا سيما حين يتعلق الأمر بمحدودي الدخل وكبار السن وأصحاب المعاشات ، الذين لا يملكون بدائل سكنية واقعية .
إن القانون ، بقدر ما تضمنه من عدلٍ وإنصافٍ لمالكي العقارات ، قد ألقى في المقابل بعبءٍ بالغ القسوة على فئاتٍ اجتماعية هشّة ، فأصابها بقدرٍ كبير من التعثر والمعاناة ، وهو ما يثير تساؤلاتٍ جوهرية حول مدى تحقق التوازن المطلوب بين حماية حق الملكية وتحقيق العدالة الاجتماعية ، باعتبارهما ركيزتين لا غنى لإحداهما عن الأخرى .
ولقد مثّل هذا القانون إشكالية كبرى عجزت عن معالجتها حكومات متعاقبة لما يترتب عليه من آثار واسعة ، غير أن ما تتحلى به القيادة من عدلٍ وإنصاف ، ورغبة جادة في تصحيح أوضاع أثّرت سلبًا في فئة غير قليلة ، هو ما استدعى توافر الإرادة والقوة اللازمة لإصدار القانون .
ومن هذا المنطلق ، تبرز أهمية البعد الإنساني والأخلاقي في تطبيق القانون . . فبعيدًا عن حدود الإلزام القانوني ، يُضحى من الواجب الأدبي والإنساني على مالكي الوحدات السكنية أن يُراعوا أوضاع مستأجريهم ، وأن ينظروا إليهم بما يتفق ومقتضى الحال والظروف الاجتماعية والاقتصادية ، في إطارٍ من التكافل الاجتماعي والتراحم الإنساني ، الذي لطالما شكّل أحد أعمدة الاستقرار داخل المجتمع المصري .
إن تحقيق السلم الاجتماعي لا يكون فقط بسنّ القوانين ، وإنما بحسن تطبيقها ، واستحضار مقاصدها ، والوعي بأن العدالة ليست نصًا جامدًا ، بل ميزانًا دقيقًا يُقيم الحقوق دون أن يهدر الإنسان . . وبين نص القانون وروح العدالة ، تبقى المسؤولية مشتركة في الحفاظ على مجتمعٍ متماسك ، لا غالب فيه ولا مغلوب.


