الكاتب أسامة شمس الدين يكتب..اختصاص محكمة النقض بالفصل في صحة عضوية مجلس النواب


تُعد العملية الانتخابية وشفافية نتائجها الركيزة الأساسية لضمان شرعية السلطة التشريعية في أي نظام ديمقراطي. فالإرادة الشعبية لا تُصان إلا من خلال آليات رقابية محكمة تكفل وصول المرشح الحقيقي المختار من المواطنين إلى مقعده النيابي دون تدخل.
ومن هذا المنطلق حرص الدستور المصري على رسم خط فاصل ودقيق بين اختصاصات القضاء واختصاصات البرلمان فيما يتعلق بصحة العضوية.
وقد جاء دستور 2014 ليحسم الجدل التاريخي الذي استمر لعقود حول الجهة المختصة بالفصل في صحة الانتخابات النيابية، حيث نقل هذا الاختصاص كاملاً إلى محكمة النقض، بعد أن كان في بعض الفترات التاريخية منوطاً بمجلس النواب ذاته أو محل اشتراك بينه وبين القضاء الإداري. وأضحى القضاء هو الضامن الأول لصحة العملية الانتخابية، بما يمثله من استقلال وحيدة وموضوعية.
ومن هذا المنطلق نصت المادة 107 من الدستور نصاً قاطعاً على اختصاص محكمة النقض بالفصل فى صحة العضوية بقولها ” تختص محكمة النقض بالفصل في صحة عضوية أعضاء مجلس النواب، وتقدم إليها الطعون خلال مدة لا تجاوز ثلاثين يوماً من تاريخ إعلان النتيجة النهائية للانتخاب، وتفصل في الطعن خلال ستين يوماً من تاريخ وروده إليها. وفي حالة الحكم ببطلان العضوية، تبطل من تاريخ إبلاغ المجلس بالحكم.”
ويكشف هذا النص عن عدة مبادئ دستورية مهمة:
- أن القضاء هو المختص الوحيد بالفصل في صحة العضوية، وبذلك يُلغى الدور السابق لمجلس النواب في نظر الطعون والذي كان معمولاص به فى ظل دستور 1971، ونتذكر تلك العبارة الشهيرة “المجلس سيد قراره”
- أن تحديد آجال إلزامية للطعن والفصل فيه خلال (ثلاثون يوماً للطعن، وستون يوماً للفصل فى الموضوع.
- أن الحكم الصادر من محكمة النقض مُلزِم ويترتب عليه بطلان العضوية فور إبلاغ البرلمان دون حاجة لأي إجراء آخر.
- حماية الإرادة الشعبية من التدخلات السياسية أو الانحيازات البرلمانية.
وهكذا يتضح أن الدستور المصري قد اختار أن يجعل من القضاء، وتحديداً محكمة النقض، الحارس الأمين على شرعية التمثيل النيابي، واضعاً نهاية حاسمة لمرحلة طال فيها الجدل بين السياسة والقانون حول من يملك القول الفصل في صحة العضوية. فقد أعاد الدستور ترتيب موازين السلطة داخل البناء التشريعي، فحصّن الإرادة الشعبية ، وجعل من رقابة القضاء صمام أمان لا يعلوه قرار ولا تتجاوزه سلطة.
إن نقل اختصاص الفصل في صحة الانتخابات إلى محكمة النقض لم يكن مجرد تعديل في البنية الدستورية، بل كان تحولاً استراتيجياً يرسخ مبادئ الشفافية ويؤكد أن البرلمان لا يكتسب شرعيته من ذاته، بل من أصوات المواطنين ومن رقابة قضاء مستقل لا يخضع إلا للقانون.



