منوعات

إضاءات… بقلم “الدكتور صبري ثابث”

نعيش اليوم مع شرح مفصل لحديث سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) غاية في الخطورة؛ لأنه متعلق بعبادات المسلم وأعماله؛ لذا ينبغي على كل مسلم أن يفهمه، ويفهم ما يرمي إليه، فقد يتعب الرجل في صيام وصلاة ولا ينال أجر، وقد يقوم بفريضة الحج أو بعمرة أو يُخرِج زكاة ماله أو صدقته لكنه لا يؤجر عليها.

حديث الأعمال بالنيَّات(عَنْ أَمِيرِ المُؤمِنينَ أَبي حَفْصٍ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رَضيَ اللهُ تعالى عنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلى اللهِ وَرَسُوله فَهِجْرَتُهُ إلى اللهِ وَرَسُوله، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيْبُهَا، أَو امْرأَة يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ) رواه إماما المحدثين البخاري ومسلم في صحيحيهما.أهمية الحديث.

1- قال الإمام أحمد والشافعي رحمهما الله: “يدخل في حديث الأعمال بالنيات ثلث العلم” قاله البيهقي، وُرِوى عن الشافعي (رضي الله تعالى عنه) أنه قال: “يدخل هذا الحديث في سبعين بابًا من الفقه”، وقال جماعة من العلماء: “هذا الحديث ثلث الإسلام”.

2- هذا الحديث لم يروه عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلا عمر (رضي الله عنه) مع أهميته وله شواهد في القرآن والسنة.

3- ويدخل عند النووي (رحمه الله) في كتاب (رياض الصالحين) باب الإِخلاصِ وإحضار النيَّة في جميع الأعمال والأقوال والأحوال البارزة والخفيَّة، قَالَ اللهُ تَعَالَى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) [البينة: 5] وَقالَ تَعَالَى: (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ) [الحج: 37] وَقالَ تَعَالَى: (قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ) [ آل عمران 29] وقوله تعالى: (وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ) [البقرة: الآية272 ].الشرح قوله: (إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ)

1- أسلوب قصر وحصر بـ(إنَّما) أي أن كل أعمال المؤمن التي يثاب عليها لا بد أن يسبقها النية، وأن الإنسان يحاسب على العمل الذي يفعله بنيته.

2- الأعمال جمع عمل، والأعمال ثلاثة، هي:

أ- الأعمال القلبية: وهي ما في القلب من الأعمال: كالتوكل على الله، والإنابة إليه، والخشية منه وما أشبه ذلك.

ب- والأعمال النطقية: وهي ما ينطق به اللسان، وما أكثر أقوال اللسان، وهي أكثر أعمال الجوارح ، اللهم إلا أن تكون العين أو الأذن.

ج- والأعمال الجوارحية: أعمال اليدين والرجلين وما أشبه ذلك.

3- (الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ) النية لغة هي: القصد، وشرعًا: العزم على فعل العبادة تقرّباً إلى الله تعالى، ومحلها القلب، فهي عمل قلبي ولاتعلق للجوارح بها.قوله: (وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ )

1- أي لكل إنسانٍ مَا نَوَى، أي ما نواه وهنا مسألة: هل هاتان الجملتان بمعنى واحد، أو مختلفتان؟

أ- الأصل في الكلام التأسيس دون التوكيد، ومعنى التأسيس: أن الثانية لها معنى مستقل. ومعنى التوكيد: أن الثانية بمعنى الأولى.

ب-والصواب: أن الثانية غير الأولى، فالأولى باعتبار المنوي وهو (العمل) والثانية باعتبار المنوي له وهو (المعمول له) ، هل أنت عملت لله أو عملت للدنيا. ويدل لهذا ما فرعه عليه النبي (صلى الله عليه وسلم) في قوله: (فمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُوْلِهِ فَهِجْرَتُهُ إلَى اللهِ وَرَسُولِهِ) وعلى هذه فيبقى الكلام لاتكرار فيه.

ج- والمقصود من هذه النية تمييز العادات من العبادات، وتمييز العبادات بعضها من بعض. – وتمييز العادات من العبادات مثاله: أولاً: الرجل يأكل الطعام شهوة فقط، والرجل الآخر يأكل الطعام امتثالاً لأمر الله عزّ وجل في قوله: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا) (الأعراف: الآية31) فصار أكل الثاني عبادة، وأكل الأول عادة والثاني: عبادة، ولهذا لوكان على الإنسان جنابة ثم انغمس في البحر للتبرد ثم صلى فلا يجزئه ذلك، لأنه لابد من النية، وهو لم ينو التعبّد وإنما نوى التبرّد.

د- ولهذا قال بعض أهل العلم: عبادات أهل الغفلة عادات، وعادات أهل اليقظة عبادات. عبادات أهل الغفلة عادات مثاله: رجل آخر لبس ثوباً جديداً يريد أن يترفّع بثيابه، فهذا لايؤجر، وآخرلبس ثوبًا جديدًا يريد أن يعرف الناس قدر نعمة الله عليه وأنه غني، فهذا يؤجر. ورجل آخر لبس يوم الجمعة أحسن ثيابه لأنه يوم جمعة، والثاني لبس أحسن ثيابه تأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم، فهو عبادة. تمييز العبادات بعضها من بعض مثاله: رجل يصلي ركعتين ينوي بذلك التطوع، وآخر يصلي ركعتين ينوي بذلك الفريضة، فالعملان تميزا بالنية، هذا نفل وهذا واجب، وعلى هذا فَقِسْ.

هـ- واعلم أن النية محلها القلب، ولايُنْطَقُ بها إطلاقاً، لأنك تتعبّد لمن يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، والله تعالى عليم بما في قلوب عباده، ولم يَرِدْ عن رسول الله ولاعن أصحابه رضوان الله عليهم أنهم كانوا يتلفّظون بالنيّة ولهذا فالنّطق بها بدعة يُنهى عنه سرًّا أو جهرًا.

يُذكر أن عاميّاً من أهل نجد كان في المسجد الحرام أراد أن يصلي صلاة الظهر وإلى جانبه رجل لايعرف إلا الجهر بالنيّة، ولما أقيمت صلاة الظهر قال الرجل الذي كان ينطق بالنية: اللهم إني نويت أن أصلي صلاة الظهر، أربع ركعات لله تعالى، خلف إمام المسجد الحرام، ولما أراد أن يكبّر قال له العامي: اصبر يارجل، بقي عليك التاريخ واليوم والشهر والسنة، فتعجّب الرجل.

و- وهنا مسألة: إذا قال قائل: قول المُلَبِّي: لبّيك اللهم عمرة، ولبيك حجّاً، ولبّيك اللهم عمرة وحجّاً، أليس هذا نطقاً بالنّية؟ الجواب: لا، هذا من إظهار شعيرة النُّسك، ولهذا قال بعض العلماء: إن التلبية في النسك كتكبيرة الإحرام في الصلاة، فإذا لم تلبِّ لم ينعقد الإحرام، كما أنه لولم تكبر تكبيرة الإحرام للصلاة ما انعقدت صلاتك.

ز- (وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى) هذه هي نيّة المعمول له، والناس يتفاوتون فيها تفاوتاً عظيماً، حيث:

1- تجد رجلين يصلّيان بينهما أبعد مما بين المشرق والمغرب أو مما بين السماء والأرض في الثواب، لأن أحدهما مخلص والثاني غير مخلص.

2- وتجد شخصين يطلبان العلم في التّوحيد، أو الفقه، أو التّفسير، أو الحديث، أحدهما بعيد من الجنّة والثاني قريب منها، وهما يقرآن في كتاب واحد وعلى مدرّسٍ واحد؛ لذا أخلص النية لله عزّ وجل.قوله( فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلى اللهِ وَرَسُوله فَهِجْرَتُهُ إلى اللهِ وَرَسُوله).

أ- ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلاً بالمهاجر، والهجرة في اللغة: مأخوذة من الهجر وهو التّرك، وفي الشرع فهي: الانتقال من بلد الكفر إلى بلد الإسلام.

ب- وهنا مسألة: هل الهجرة واجبة أو سنة؟ والجواب: أن الهجرة واجبة على كل مؤمن لايستطيع إظهار دينه في بلد الكفر، فلايتم إسلامه إذا كان لايستطيع إظهاره إلا بالهجرة، وما لايتم الواجب إلا به فهوواجب. كهجرة المسلمين من مكّة إلى الحبشة، أو من مكّة إلى المدينة.

ج- (فمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُوْلِهِ فَهِجْرَتُهُ إلَى اللهِ وَرَسُولِهِ) كرجل انتقل من مكة قبل الفتح إلى المدينة يريد الله ورسوله، أي: يريد ثواب الله، ويريد الوصول إلى الله كقوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) ويريد رسول الله: ليفوز بصحبته ويعمل بسنته ويدافع عنها ويدعو إليها، فهذا هجرته إلى الله ورسوله، والله تعالى يقول في الحديث القدسي (مَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرَاً تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعَاً ) فإذا أراد الله، فإن الله تعالى يكافئه على ذلك بأعظم مما عمل.

د- وهنا مسألة: بعد موت الرسول (صلى الله عليه وسلم ) هل يمكن أن نهاجر إليه عليه الصلاة والسلام؟ والجواب: أما إلى شخصه فلا، ولذلك لايُهاجر إلى المدينة من أجل شخص الرسول صلى الله عليه وسلم، لأنه تحت الثرى، وأما الهجرة إلى سنّته وشرعه (صلى الله عليه وسلم) فهذا مما جاء الحث عليه، وذلك مثل: الذهاب إلى بلدٍ لنصرة شريعة الرسول والذود عنها. فالهجرة إلى الله في كل وقت وحين، والهجرة إلى رسول الله لشخصه وشريعته حال حياته، وبعد مماته إلى شريعته فقط، فمن ذهب من بلدٍ إلى بلد ليتعلم الحديث، فهذا هجرته إلى الله ورسوله، ومن هاجر من بلد إلى بلد لامرأة يتزوّجها، فهجرته إلى ماهاجر إليه. فمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيْبُهَا بأن علم أن في البلد الفلاني تجارة رابحة فذهب إليها من أجل أن يربح، فهذا هجرته إلى دنيا يصيبها، وليس له إلا ما أراد، وإذا أراد الله عزّ وجل ألا يحصل على شيء لم يحصل على شيء

هـ- ولو لاحظنا قول سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : (وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيْبُهَا أو امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيهِ) لوجدنا أنه أخفى نية من هاجر للدنيا، ثم قال (فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ) ولم يقل: (إلى دنيا يصيبها) والفائدة البلاغية هنا هي: تحقير ماهاجر إليه هذا الرجل، أي ليس أهلاً لأن يُذكر، بل يُكنّى عنه.

عرض المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى