أسامة شمس الدين يكتب: عصر القوة من البدائية إلى البدائية :أمريكا وفنزويلا


تُعدّ نظرية القوة إحدى النظريات التاريخية التي تناولت تفسير نشأة المجتمع المنظم أو الدولة. فحين انتقل الإنسان من حياة الرعي والترحال إلى الزراعة والاستقرار، لم يكن هذا التحول مجرد تطور اقتصادي، بل صاحبه سعي متزايد إلى بسط النفوذ والسيطرة على الجماعات المجاورة ،
ما أدى إلى نشوب الصراعات والحروب بوصفها وسيلة لحسم التنافس على الموارد والسلطة . .
ومع انتصار جماعة على أخرى ، كانت تفرض سيادتها على المهزومين ، وتلتف حول أحد أبطالها الذين برزوا في ساحات القتال ، فيتحول إلى حاكم ورمز للقوة ، يتولى الدفاع عن الجماعة وحمايتها . .
ومع مرور الوقت ، تتعزز سلطة هذا الحاكم عبر ثقة الجماعة به ، فتُسند إليه شؤونها كافة ، ويلتف حوله الأتباع أفرادًا وجماعات ، لتتشكل طبقة من المعاونين تسهم في إدارة شؤون المجتمع . . وهكذا ينشأ المجتمع المنظم ، وفق هذه النظرية ، مستندًا إلى فكرة القوة ، حيث يصبح “حق الأقوى” هو الأساس ، ويغدو قانون سيطرة القوي على الضعيف من أقدم القوانين في التاريخ الإنساني . .
ومن هذا المنطلق النظري ، قد يبدو العالم المعاصر متقدمًا في أدواته وتقنياته ، ومتحضرًا في شعاراته ، غير أن جوهر العلاقات الدولية يكشف عن عودة مقلقة إلى ذلك المنطق البدائي ، حيث تحكم القوة بدلًا من القانون ، وتعلو الغلبة على حساب العدالة . وفي هذا السياق ، تبرز العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية وفنزويلا نموذجًا صارخًا لهذا الارتداد من مظاهر الحداثة إلى جوهر البدائية . .
فما شهدته فنزويلا خلال السنوات الأخيرة يعكس هذا التناقض بوضوح ؛ إذ أدت الأزمات الداخلية ، الناتجة عن سوء الإدارة ، وتآكل المؤسسات ، وتراجع الثقة بين السلطة والشعب ، إلى إضعاف الدولة من الداخل ، وجعلها بيئة خصبة للتدخلات الخارجية . . وحين تضعف الدولة ، تعود البدائية في أبسط صورها : القوي يتدخل ، والضعيف يُستباح . .
وتبدو تصرفات الولايات المتحدة أكثر خطورة وتعقيدًا ، لأنها تتخفى خلف شعارات براقة مثل الديمقراطية ، وحقوق الإنسان ، والأمن القومي . ففي الوقت الذي تتبنى فيه خطاب الحداثة في سياستها الخارجية ، لم تتردد في ممارسة سياسات تتناقض مع هذا الخطاب عندما تعلّق الأمر بمصالحها في فنزويلا ، وهو ما يكشف بوضوح عن ازدواجية المعايير التي تحكم النظام الدولي المعاصر . .
وفي المقابل ، لا يمكن إعفاء الداخل الفنزويلي من المسؤولية ؛ فالدولة التي تفقد بوصلتها القيمية ، وتُقصي مواطنيها ، تسهم بنفسها في تسريع عودتها إلى حالة بدائية ، وتفقد قدرتها على الصمود في مواجهة الضغوط الخارجية . .
ومن هنا ، تبرز أهمية تحصين الدول من الداخل عبر ترسيخ قيم المواطنة والوحدة الوطنية ، وبناء مؤسسات قوية قادرة على تمثيل المجتمع وحمايته . وفي هذا الإطار ، يجدر التأكيد على أن الدستور المصري قد نصّ صراحة على حماية الوحدة الوطنية باعتبارها ركيزة أساسية من ركائز استقرار الدولة ، كما تُولي القيادة السياسية اهتمامًا بالغًا بتعزيز تلاحم أبناء الشعب الواحد ، وترسيخ دعائم الوحدة الوطنية بما يكفل الحفاظ على مقدرات الأمة وصون تماسكها . .
غير أن الإشكال لا يقتصر على ضعف الدول من الداخل ، بل يمتد إلى بنية النظام الدولي ذاته. فقد بات التطور الذي تدّعيه المجتمعات المعاصرة عبر إنشاء المنظمات الدولية موضع تساؤل ، إذ تفقد هذه البنى قيمتها عندما يغيب الالتزام الحقيقي بالقانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة . . فالحداثة لا تُقاس بكثرة المؤسسات ولا بتعدد النصوص ، بل بمدى احترام القواعد وتطبيقها دون انتقائية .
إن الالتزام بالقانون الدولي يظل معيارًا مهمًا لتقدم الدول ، غير أن القيم الإنسانية تبقى أسمى وأبقى من أي عدوان . . فالحضارات لا تُقاس بما تملكه من قوة عسكرية ، بل بما تتحلى به من التزام أخلاقي يسبق القانون ويمنحه معناه . . وعليه ، فإن أي نظام دولي يُخضع القيم لمنطق المصالح يعيد إنتاج البدائية في ثوب حداثي زائف ، ويُفرغ فكرة التقدم من مضمونها الحقيقي ، ليظل العالم ، رغم ادعاءات التحضر ، محكومًا بشريعة القوة . .


