أسامة شمس الدين يكتب..”العفو عن العقوبة : من عصر الملكية إلى عصر الجمهورية بعد ثورة 1952″


بعد ثورة 23 يوليو 1952، دخلت مصر مرحلة تاريخية جديدة أنهت الحكم الملكي وأعلنت قيام الجمهورية، ومعها أعيد تعريف سلطات الدولة ورسمت ضوابطها الدستورية. ومن بين هذه السلطات المهمة، يأتي حق العفو عن العقوبة كأحد أبرز الحقوق الدستورية لرئيس الجمهورية، الذي أصبح يمتلك صلاحيات مباشرة في ممارسة العفو الخاص، بينما ظل العفو العام خاضعًا للسلطة التشريعية. في هذا المقال، نستعرض كيف نظمت دساتير ما بعد الثورة سلطة العفو، وما هي القواعد التي رسمت حدودها.
لقد قامت ثورة 1952 على أنقاض الملكية لأسباب كان من أهمها هزيمة الجيش في عام 1948، والتوغل الإقطاعي، ووجود اضطرابات وصراعات بين جماعة الإخوان وحكومة النقراشي، والفشل في الحصول على قرار من الأمم المتحدة لجلاء القوات البريطانية عن مصر، وتقليص حجم وحدات الجيش بعد فرض الحماية البريطانية، وإرسال معظم قوات الجيش إلى السودان، وإغلاق المدارس البحرية والحربية.
ونتيجة لهذه الأسباب، أُذيع في يوم 23 يوليو 1952 أن الجيش كله أصبح يعمل لصالح الوطن في ظل دستور مجرد من أي غاية، وفي اليوم الثاني أعلن القائد العام للقوات المسلحة أن هدف الحركة هو رفع لواء الدستور، وفي اليوم الثالث أعلن أن: “الحركة تقوم على مبدأ أساسي هو التطهير واحترام الدستور والمحافظة على الحريات العامة”.
وفي اليوم الرابع وجه اللواء محمد نجيب إنذاراً إلى الملك ينذره فيه أن يتنازل عن العرش، وقد استند هذا الإنذار إلى أسباب من بينها عبث الملك بالدستور وامتهانه لإرادة الشعب، ورغبة الحركة في عودة الحكم الدستوري، وإلغاء الأحكام العرفية، والإفراج عن المعتقلين السياسيين، ورفع الرقابة على الصحف، وإنهاء حالة حظر التجوال، وإعادة مجلس النواب المنحل، أو إجراء انتخابات جديدة تسفر عن تشكيل حكومة وطنية.
وفي العاشر من ديسمبر 1952 أعلن في الجريدة الرسمية باسم الشعب سقوط دستور عام 1923، وقد جاء في نص الإعلان: “أن الحكومة آخذة في تأليف لجنة تضع مشروع دستور جديد يقره الشعب، ويكون منزهاً عن عيوب الدستور الزائل، محققاً لآمال الأمة في حكم نيابي نظيف وسليم…”.
ونتيجة لهذا الإعلان الدستوري الأول، مرت مصر بمجموعة من الإجراءات الدستورية المؤقتة إلى أن استقر الأمر على صدور دستور عام 1971، الذي كان يُسمى آنذاك دستور مصر الدائم.
وفي العاشر من فبراير 1953 صدر الإعلان الدستوري الثاني، الذي أعلن فيه عن تولي مجلس قيادة الثورة أعمال السيادة العليا، وبصفة خاصة التدابير التي يراها ضرورية لحماية الثورة والنظام القائم عليها لتحقيق أهدافه، والذي يكون له حق تعيين الوزراء وعزلهم.
وقد خلا هذان الإعلانان من النص على حق العفو، إلى أن صدر في السادس عشر من يناير 1956 الدستور المستفتى عليه، والذي نص في المادة (141) منه على أن:
“لرئيس الجمهورية حق العفو عن العقوبة أو تخفيضها. أما العفو الشامل فلا يكون إلا بقانون.”
كما تم الإبقاء على هذه المادة كما هي في دستور 1964 بالمادة (127).
وفي عام 1971 صدر دستور مصر الدائم، والذي نص في المادة (149) على حق رئيس الجمهورية في العفو عن العقوبة بقوله: “لرئيس الجمهورية حق العفو عن العقوبة أو تخفيفها، أما العفو الشامل فلا يكون إلا بقانون.
والملاحظ هنا أن دساتير ما بعد ثورة 1953 قد خلت من التفرقة الواردة في دساتير ما قبل الثورة، كما أنها جعلت حق العفو الخاص حصراً ومختصاً برئيس الجمهورية وحده دون سواه.
كما جعلت العفو العام من سلطات البرلمان وحده، وهي بذلك لم تختلف عن دساتير ما قبل ثورة 1952. ومن المعروف أن السلطة المنوط بها إصدار القوانين هي السلطة التشريعية ممثلة في البرلمان، وهو ما يمنع رئيس الجمهورية من إصدار العفو الشامل، مالم يستخدم حقه الدستوري في تقديم مشروع قانون يعرض على البرلمان، طبقاً للنصوص الدستورية التي كفلت له هذا الحق.
وقد تواترت الدساتير المصرية، ما كان منها قبل الثورة وما كان بعدها، على كفالة الحق لرئيس الجمهورية في اقتراح القوانين، وسوف نتناول في المقال القادم موقف دساتير ما بعد ثورة 25 يناير 2011، من حق العفو عن العقوبة.
الكاتب والباحث
أسامة شمس الدين



